Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

كيف أصبح المسحراتي طقساً رمضانياً؟

الاثنين 16 مارس 2026 02:41 مساءً صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، مسحراتي مصري، في أحد احياء القاهرة القديمة، يدعو النائمين للاستيقاظ وتناول وجبة السحور (مارس/آذار 2025)
Article Information

تشتهر عبارة "اصحى يا نايم وحد الدايم" بين النداءات التي يطلقها المسحراتي في جولاته قبيل الفجر، حيث يردد خلالها أهازيج وعبارات دينية وشعبية، تختلف صيغها من بلد إلى آخر ومن حي إلى آخر، لكنها تتفق في غاية واحدة: تنبيه الصائمين إلى موعد السحور وإضفاء روح إيمانية على أجواء الليل الرمضاني.

ويبرز المسحراتي بوصفه أحد الرموز الشعبية المرتبطة بشهر رمضان في العالم الإسلامي. ويعود أصل الكلمة إلى لفظ "السحر"، وهو الوقت الذي يسبق طلوع الفجر مباشرة، حين يتناول المسلمون وجبة السحور استعداداً للصيام. وقد اشتقت من الفعل "سحّر"، أي أيقظ الناس في وقت السحر أو دعاهم إلى السحور، ومنه اسم الفاعل "مسحّر". ومع تطور الاستعمال الشعبي في مصر وبلاد الشام أضيفت اللاحقة العامية "ـاتي" الدالة على صاحب الحرفة، فصارت "مسحراتي"، أي الشخص الذي يوقظ الناس للسحور.

وعلى الرغم من بساطة مهمته، فإن جذورها تمتد عميقاً في التاريخ الإسلامي، وتعكس تفاعل المجتمعات مع الطقوس الدينية والاجتماعية عبر القرون. ولم يكن المسحراتي مجرد منبه بشري، بل تحول إلى رمز ثقافي وروحي يجسد روح رمضان ودفء العلاقات الاجتماعية داخل الأحياء.

وحظيت شخصية المسحراتي بحضور واضح في الأدب والفن العربيين، إذ ظهرت في الأغاني والمسلسلات والقصص الشعبية. ومن أبرز الأعمال التي تناولتها أغاني الشاعر فؤاد حداد والملحن سيد مكاوي، التي أعادت إحياء صورته في الوعي المعاصر وأسهمت في تثبيت عباراته وإيقاعاته في الذاكرة الجماعية.

ويقول مصطفى عيد أحمد في كتابه "المسحراتي": "إن مهنة المسحراتي تطورت في مصر؛ فبعد أن كان يمسك عصاً وقنديلاً، أصبح يحمل طبلة يدق عليها فيسمعه القاصي والداني. كما ارتبط فانوس رمضان بالمسحراتي، إذ كان الأطفال يحملون الفوانيس حوله ليلاً ويرددون: حلو يا حلو، رمضان كريم يا حلو".

صدر الصورة، Getty Images

أصل الحكاية

تعود جذور هذه الممارسة إلى المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي. وتشير الروايات إلى أن بلال بن رباح، أول مؤذن في الإسلام، كان يعلن ليلاً قرب حلول الفجر، ما يتيح للناس تناول السحور، بينما كان عبد الله بن أم مكتوم يعلن دخول وقت الفجر. وبذلك كان الإعلانان يشيران عملياً إلى الفترة المتاحة لتناول السحور وبداية الإمساك. وقد ورد هذا الترتيب في رواية نقلها عبد الله بن عمر وعائشة عن النبي محمد، وجاء فيها: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".

وتذكر بعض المصادر أن أول تنظيم واضح لدور يشبه المسحراتي ظهر في العصر العباسي، ولا سيما في مصر. فقد قيل إن والي مصر العباسي عنبسة بن إسحاق بن شمر في القرن الثالث الهجري كان يخرج ليلاً في شوارع الفسطاط ويدعو الناس إلى تناول السحور قائلاً: "تسحروا فإن في السحور بركة".

كما تشير روايات أخرى إلى أن والياً عباسياً آخر هو إسحاق بن عقبة كان يطوف ليلاً من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص لإيقاظ السكان، في ما يعكس اهتمام السلطات بتنظيم الحياة اليومية خلال شهر رمضان.

ومع مرور الزمن تحولت هذه المهمة من نشاط يقوم به الحاكم أو موظف رسمي إلى مهنة شعبية ذات طقوس معروفة. ففي العصر الفاطمي شجعت السلطات السكان على النوم مبكراً بعد صلاة التراويح، وكان الجنود يمرون على المنازل ويدقون أبوابها لإيقاظ الناس للسحور. ولاحقاً عين شخص يتولى هذه المهمة، فكان يجوب الأحياء وينادي لإيقاظ السكان، ويطرق أبواب البيوت بعصا يحملها.

وفي العهد المملوكي كادت المهنة تختفي، قبل أن يعاد إحياؤها عندما كلف السلطان الظاهر بيبرس بعض رجال الدين بالدق على أبواب البيوت لإيقاظ السكان للسحور. وفي عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون ظهرت مجموعة منظمة من المسحراتية أسسها أبو بكر محمد بن عبد الغني، المعروف بـ"ابن نقطة". ومنذ ذلك الحين ارتبطت شخصية المسحراتي بحمل طبلة صغيرة يضرب عليها بإيقاع منتظم أثناء سيره في الأزقة. وكانت هذه الطبلة تعرف باسم "بازة"، وهو اسم لا يزال مستخدماً في بعض المناطق. وكان الأطفال ينتظرون مروره ليلاً ويرددون خلفه النداءات، ما جعل حضوره جزءاً من ذاكرة الطفولة لدى أجيال متعاقبة.

وبحسب ما يذكره المؤرخ البريطاني إدوارد لين، كان مسحراتي العصر العثماني يجوب الشوارع ويضرب على الطبل ثلاث مرات قبل أن يردد عبارات إنشاد تقليدية، ثم يعاود الضرب ثلاث مرات أخرى ويقول: "أسعد الله ليلتكم". وكان أحياناً يذكر أسماء رجال البيوت التي يمر بها وأبنائهم. وكانت بعض النساء يلقين له النقود، كما كان يعلن في الحي إذا كان في أحد البيوت فتاة في سن الزواج ليعلم بذلك من يبحثون عن زوجة. أما في المناطق الريفية فكان عمدة القرية يؤدي هذا الدور أحياناً.

وفي القرن التاسع عشر شهدت المهنة في مصر والسودان تطوراً ملحوظاً. فقد كان المسحراتي يجوب الأزقة والحارات يرافقه طفل يحمل فانوساً يضيء له الطريق. وكان على معرفة وثيقة بأهالي الحي، ويحتفظ بدفتر يدون فيه أسماءهم، فينادي الأطفال بأسمائهم لإيقاظهم للسحور، ما كان يضفي أجواء من البهجة في ليالي رمضان.

ويقول أحمد المنزلاوي في كتابه "شهر رمضان في الجاهلية والإسلام": "تخصصت بعض الأسر في هذه الحرفة وامتدت إلى أبنائها عبر أجيال، ودخلتها النساء في المدن الكبرى والقرى الصغيرة أحياناً للسعي على رزق أطفال صغار مات والدهم أو أقعده المرض. وجار بعض المسحراتية على مناطق زملائهم فاعترضوا عليه، ومن هنا جاء المثل القائل: بيطبل في المطبل".

"أبو طبيلة"

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، المسحر غفران محمود في الموصل في العراق وهو يلتقط صورة سيلفي مع صبية محليين (مارس/آذار 2025)

في العصر الحديث شهدت مهنة المسحراتي بعض التغيرات في أدواتها وأساليبها. فقد أصبح بعض المسحراتية يستخدمون الدراجات للتنقل بين الأحياء، كما استخدمت في بعض الحالات مكبرات الصوت والميكروفونات بدلاً من النداء التقليدي. وفي عدد من المدن تنظم البلديات جولات رمزية للمسحراتي ضمن فعاليات تهدف إلى الحفاظ على التراث الشعبي.

ويعد الفنان الراحل سيد مكاوي من أبرز من قدم شخصية المسحراتي في العصر الحديث على مستوى العالم العربي، من خلال فقرات إذاعية في مصر كتب نصوصها الشاعر فؤاد حداد، وذلك بحسب ما يذكره أحمد المنزلاوي في كتابه "شهر رمضان في الجاهلية والإسلام".

وفي بعض البلدان العربية تطور شكل هذه الممارسة، إذ تحول المسحراتي في بعض الحالات من فرد واحد يرافقه طفل يحمل فانوساً إلى مجموعة صغيرة تؤدي أناشيد جماعية وتستخدم الدفوف والآلات الإيقاعية أثناء التجوال في الشوارع.

وتختلف تسمية المسحراتي من بلد عربي إلى آخر تبعاً للهجات والعادات المحلية. ففي مصر وبلاد الشام يعرف باسم "المسحراتي"، بينما يسمى في دول الخليج "أبو طبيلة" لارتباطه بحمل الطبلة، ويعرف في العراق أيضاً بـ"المسحرجي" أو "أبو طبيلة"، وفي اليمن يطلق عليه أحياناً "المفلح"، وفي لبنان قد يسمى "الطبال".

أما في المغرب العربي فتتعدد التسميات، مثل "النفار" في المغرب نسبة إلى آلة النفخ النحاسية الطويلة، وكذلك "الطبال"، وفي تونس والجزائر "بوطبيلة"، وفي ليبيا يعرف أحياناً باسم "النوبادجي". ورغم اختلاف الأسماء، فإن الدور واحد: التجوال ليلاً لإيقاظ السكان لتناول السحور قبل الفجر.

ومع انتشار الساعات والمنبهات والهواتف المحمولة، تراجع الدور العملي للمسحراتي بوصفه وسيلة لإيقاظ الناس. وتشير تقارير عديدة إلى أن هذه المهنة تواجه خطر التراجع بسبب تغير أنماط الحياة الحضرية وضعف العائد المادي. ومع ذلك ما زال المسحراتي يظهر بوصفه رمزاً تراثياً في عدد من المدن، خصوصاً في الأحياء القديمة أو خلال الفعاليات الثقافية والسياحية.

وقال أحد المسحراتية المخضرمين في سوريا لوكالة الأنباء السورية (سانا): "المنبه يوقظ الجسد، لكن طبلتي توقظ الروح. عندما تسمع نقراتها تتذكر جدك وطفولتك وكرم هذا البلد".

ومن جانبه قال الباحث الاقتصادي المصري أحمد آدم لوكالة الأنباء القطرية (قنا) إن مهنة المسحراتي، رغم تراجعها في المدن الكبرى، ما زالت مستمرة في القرى والبلدات التاريخية بوصفها جزءاً من التراث المحلي. وأوضح أن كثيراً من الحرف المرتبطة بالمواسم لا تمثل وظائف دائمة، إذ يمارس العاملون فيها أعمالاً أخرى طوال العام، ثم يعودون إليها خلال رمضان بوصفها نشاطاً موسمياً يوفر دخلاً إضافياً.

وأضاف آدم أن قيمة هذه المهن لا ترتبط بالعائد المالي فقط، بل بما تحمله من طقوس اجتماعية وثقافية أصبحت جزءاً من مشهد الشارع في مصر، مشيراً إلى أن حرفاً موسمية أخرى ما زالت حاضرة أيضاً، مثل صانعي الكنافة الذين يرتبط عملهم ارتباطاً وثيقاً بشهر رمضان.

رمز ثقافي

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قطريون يؤدون دور المسحراتي حيث يقرعون الطبول ويغنون الأناشيد الشعبية لإيقاظ السكان لتناول وجبة السحور (فبراير/شباط 2023)

لم يكن المسحراتي مجرد شخص يؤدي مهمة محددة، بل شكل جزءاً من الحياة الاجتماعية في ليالي رمضان. وكان حضوره في الشوارع يعزز شعور السكان بالأمان ليلاً، ويمنح الأحياء إحساساً بالمشاركة الجماعية في أجواء الشهر.

وارتبطت به أيضاً عادات اجتماعية، مثل تقديم "العيدية" له في نهاية رمضان تقديراً لجهوده. وكان يتلقى أحياناً طعاماً أو مبالغ مالية من سكان الحي، في إطار علاقة تقوم على الدعم المتبادل بينه وبين المجتمع المحلي.

ويشير تقرير نشرته وكالة الأنباء السورية "سانا" إلى أن دور المسحراتي لم يقتصر على إيقاظ الناس، بل ارتبط أيضاً بممارسات اجتماعية أخرى. فبحسب الروايات المتداولة، كان بعض المسحراتية يحملون سلة صغيرة يمرون بها على بيوت الميسورين قبل بدء جولتهم، فتضع كل أسرة ما تيسر من خبز أو طعام، ثم يوزعها لاحقاً على العائلات الفقيرة قبل الفجر، من دون ذكر أسماء المعطين أو المتلقين. وينقل التقرير عن مؤرخين محليين في سوريا قولهم إن المسحراتي "كان أشبه بشبكة مبكرة لتوصيل الطعام، لكنها تقوم على التضامن الاجتماعي".

كما أدى المسحراتي دوراً ترفيهياً غير مباشر، إذ كان صوته وأسلوبه يضفيان أجواء من البهجة على الليل الرمضاني، خصوصاً في زمن لم تكن فيه وسائل إعلام أو ترفيه حديثة. وكان الأطفال يتبعونه في جولاته ويرددون خلفه النداءات والأهازيج.

ولا يزال صوت المسحراتي يثير لدى كثيرين مشاعر الحنين، لارتباطه بذكريات الطفولة والعلاقات الاجتماعية في الأحياء القديمة. ومع تغير أنماط الحياة، أصبح ظهوره اليوم أقرب إلى عرض ثقافي أو تقليد تراثي يرمز إلى أجواء رمضان أكثر من كونه حاجة عملية لإيقاظ الناس.

ويعكس حضور المسحراتي أيضاً إيقاع الحياة الخاص خلال شهر رمضان، حيث تتغير مواعيد النشاط اليومي وتزداد الحركة في الليل. فالمسحراتي لا يوقظ الناس للسحور فحسب، بل يذكرهم أيضاً بأنهم يعيشون فترة مختلفة عن بقية أيام السنة.

وهكذا تحول المسحراتي عبر القرون من وسيلة عملية لإيقاظ الصائمين إلى رمز ثقافي مرتبط بليالي رمضان. فمنذ المراحل الأولى للتاريخ الإسلامي مروراً بالعصور العباسية والفاطمية والمملوكية وصولاً إلى العصر الحديث، استمر هذا التقليد بأشكال متعددة تعكس تفاعل المجتمع مع العادات الرمضانية.

ورغم التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة الحديثة، ما زال المسحراتي حاضراً في بعض المدن والفعاليات التراثية بوصفه جزءاً من الذاكرة الثقافية. ويعكس استمراره قوة التقاليد الاجتماعية المرتبطة برمضان، وقدرتها على البقاء حتى بعد تراجع وظيفتها العملية.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :