Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

كيف تغيرت سياسات إسبانيا الخارجية من حرب العراق إلى إيران؟

الخميس 5 مارس 2026 05:40 مساءً صدر الصورة، Getty Images

قبل 4 دقيقة

مدة القراءة: 7 دقائق

أثار الجدل السياسي بين الولايات المتحدة وإسبانيا اهتماماً واسعاً خلال الأيام الأخيرة، بعد تباين واضح في تصريحات الطرفين بشأن الموقف من الحرب مع إيران.

فقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت يوم الأربعاء إن إسبانيا وافقت على التعاون مع الولايات المتحدة في العمليات العسكرية.

لكن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز نفى ذلك، مؤكداً أن بلاده لا تشارك في الحرب وترفض استخدام القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي الإسبانية لشنّ هجمات على إيران.

وردّ وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على تصريحات البيت الأبيض قائلاً إن موقف مدريد "لم يتغير"، مؤكداً أن الحكومة الإسبانية لا تزال ترفض الانخراط في الحرب.

كيف بدأ الخلاف؟

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز

هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثلاثاء بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، بعدما رفضت مدريد السماح للولايات المتحدة باستخدام القاعدتين العسكريتين المشتركتين في روتا ومورون بجنوب البلاد لتنفيذ ضربات ضد إيران.

وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: "إسبانيا كانت سيئة للغاية"، مهدداً مدريد بشكل مباشر بـ"وقف" العلاقات التجارية بين البلدين.

وأظهرت بيانات موقع تتبع الرحلات الجوية "فلايت رادار" يوم الاثنين أن نحو خمس عشرة طائرة عسكرية أمريكية غادرت قاعدتي روتا ومورون منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات نهاية الأسبوع على إيران.

وبحسب الموقع، هبطت سبع طائرات على الأقل في قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا. كما انطلقت رحلتان من روتا، وهي قاعدة بحرية تضم مطاراً، باتجاه جنوب فرنسا، فيما أقلعت أربع رحلات أخرى من القاعدة نفسها، لكن مسارها لم يعرض.

وتعد قاعدتا روتا البحرية ومورون الجوية في إسبانيا نقطتي ارتكاز استراتيجيتين رئيسيتين للجيش الأمريكي، وتعملان بموجب اتفاقية دفاعية ثنائية أبرمت لأول مرة عام 1953 خلال حكم الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو. وتجدد هذه الاتفاقية دورياً، مع تأكيد إسبانيا احتفاظها بالسيادة على القاعدتين.

"لا للحرب"

في خطاب مطول ألقاه الأربعاء، أكد رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي بيدرو سانشيز رفض مدريد "التواطؤ" في الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.

واختتم خطابه بأربع كلمات لخصت موقفه: "نو آ لا غيرا" (No a la guerra)، أي "لا للحرب" بالإسبانية، وهو شعار تاريخي يرفعه اليسار الإسباني في مواجهة الحروب الدولية، ولا سيما في الشرق الأوسط.

وقال سانشيز: "السؤال ليس ما إذا كنا نقف إلى جانب آيات الله (حكام إيران) - فلا أحد يقف إلى جانبهم. السؤال هو ما إذا كنا نؤيد السلام والقانون الدولي".

وأضاف: "لا يمكن الرد على مخالفة بأخرى، فهكذا تبدأ الكوارث الكبرى للبشرية... ولا يمكن التلاعب بمصائر الملايين".

وأكد أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق الأمثل لحل النزاعات، وأن السياسة الاقتصادية لإسبانيا لن تتغير تحت التهديدات الخارجية، بما في ذلك تهديدات قطع العلاقات التجارية.

كما انتقد ما وصفه بـ"الأهداف غير الواضحة" للجيشين الأمريكي والإسرائيلي، معتبراً أنه "من غير المقبول أن يستخدم القادة ستار الحرب لإخفاء فشلهم"، مضيفاً أن الحروب لن تقود إلى نظام دولي أكثر عدلاً.

وبعد ساعات قليلة من الخطاب، أثارت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت جدلاً عندما قالت إن إسبانيا "وافقت في نهاية المطاف على التعاون" مع الجيش الأمريكي في الحرب على إيران. وأضافت: "أعتقد أنهم تلقوا رسالة الرئيس أمس بوضوح وبقوة".

لكن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس سارع إلى نفي ذلك بشكل قاطع. وقال لإذاعة "كادينا سير": "أنفي نفياً قاطعاً حصول أي تغيير... موقفنا بشأن استخدام قواعدنا في الحرب في الشرق الأوسط، في قصف إيران، لم يتغير على الإطلاق".

وأضاف: "من أين يمكن أن تكون هذه التصريحات جاءت؟ ليس لدي أدنى فكرة".

كما قال لقناة "تيليسينكو" الإسبانية: "القواعد الإسبانية لا تستخدم في هذه العملية، ولن تستخدم لأي شيء غير مدرج في الاتفاقية مع الولايات المتحدة أو لأي أمر لا يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة".

ما موقف دول الاتحاد الأوروبي؟

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز

أعربت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، عن استعدادها للدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي بعد تهديد الرئيس الأمريكي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا.

وقال المتحدث باسم المفوضية أولوف غيل في بيان: "نتضامن بشكل كامل مع جميع الدول الأعضاء ومواطنيها، ونحن مستعدون، من خلال سياستنا التجارية المشتركة، لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي".

من جهته، قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إنه عبّر في اتصال مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن "تضامن الاتحاد الأوروبي الكامل مع إسبانيا"، مضيفاً أن الاتحاد "سيضمن دائماً حماية مصالح دوله الأعضاء بشكل كامل"، ومؤكداً التزامه "الراسخ بمبادئ القانون الدولي والنظام القائم على القواعد في جميع أنحاء العالم".

كما أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تضامن فرنسا مع سانشيز، وفق ما أعلن قصر الإليزيه، الذي قال إن ماكرون تحدث مع رئيس الوزراء الإسباني "للتعبير عن التضامن الفرنسي والأوروبي رداً على التهديدات الأخيرة بالإكراه الاقتصادي التي تستهدف إسبانيا".

وفي ألمانيا، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الخميس، إن إسبانيا يمكنها الاعتماد على تضامن ألمانيا والاتحاد الأوروبي في مواجهة التهديد الأمريكي بفرض حواجز تجارية جديدة. وأضاف في مؤتمر صحفي مع نظيره المولدوفي ميهاي بوبسوي: "لن نسمح لأنفسنا بالانقسام؛ نحن نقف معاً بثبات".

ما كان موقف إسبانيا في غزو العراق؟

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، رئيس الوزراء البريطاني توني بلير (يسار)، والرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، ورئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار (يمين) يبتسمون لدى وصولهم إلى جزر الأزور البرتغالية في وسط المحيط الأطلسي، يوم 16 مارس/آذار 2003.

استحضر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في منشور على منصة "إكس"، تجربة إسبانيا مع حرب العراق عام 2003 لتفسير موقف حكومته الرافض للحرب الحالية.

وقال إن "العالم وأوروبا وإسبانيا واجهوا هذه اللحظة الحرجة من قبل"، مضيفاً: "في عام 2003 قاد بعض القادة المتهورين العالم إلى حرب غير قانونية في الشرق الأوسط، لم تجلب سوى انعدام الأمن والألم".

وتابع: "جوابنا اليوم هو كما كان حينها: لا لانتهاك القانون الدولي، لا لوهم أننا يمكن أن نحل مشاكل العالم بالقنابل، لا لتكرار أخطاء الماضي. لا للحرب".

وكان شعار "لا للحرب" قد رفعه اليسار الإسباني عام 2003 احتجاجاً على الغزو الأمريكي للعراق.

لكن الحكومة اليمينية آنذاك، برئاسة خوسيه ماريا أزنار، شاركت في التحالف ونشرت قوات إسبانية في العراق لفترة محدودة.

وكان أزنار يتمتع بعلاقة وثيقة مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، الذي قاد الحملة العسكرية على العراق. وقد ذكّر سانشيز في خطابه الإسبان بما عُرف بـ"ثلاثي جزر الأزور"، الذي ضم بوش ورئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير وأزنار، والذين التقوا في قاعدة عسكرية برتغالية في الأرخبيل قبل أيام من بدء غزو العراق.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، جنود إسبان يستريحون على مركبتهم في مقر سلطة الائتلاف المؤقتة في النجف، العراق، بتاريخ 17 أبريل/نيسان 2004.

نشر أزنار نحو 1300 جندي إسباني في أغسطس/آب 2003 في مناطق من جنوب ووسط العراق، في خطوة أثارت احتجاجات شعبية واسعة في مختلف أنحاء إسبانيا.

وربط كثير من الإسبان بين مشاركة بلادهم في الحرب والتفجيرات التي استهدفت أربعة قطارات ركاب في مدريد في 11 مارس/آذار 2004، وأسفرت عن مقتل 192 شخصاً، وتبناها تنظيم القاعدة.

وجرت الانتخابات التشريعية بعد ثلاثة أيام فقط من الهجمات، وفاز بها الحزب الاشتراكي. ويعتقد كثيرون أن دعم الحكومة السابقة للحرب في العراق، إلى جانب طريقة تعاملها مع تفجيرات مدريد، أسهما في خسارتها الانتخابات.

وبعد ساعات قليلة من توليه منصبه، أعلن رئيس الوزراء الإسباني الجديد خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، في خطاب متلفز، سحب القوات الإسبانية من العراق في أسرع وقت ممكن، قائلاً إنه لا يستطيع تجاهل ما وصفه بإرادة الشعب الإسباني.

وأدانت الولايات المتحدة في ردها الأول قرار مدريد سحب قواتها، واعتبرته استسلاماً للإرهاب، لكنها أكدت لاحقاً أنها ستواصل التعاون الوثيق مع إسبانيا في الحرب على الإرهاب.

سياسات مدريد في قضايا أخرى

على الرغم من موقف حكومة سانشيز الواضح المنتقد لقمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات الشعبية، ودعمه تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمةً إرهابية، فإن كثيراً من مواقف سياسته الخارجية تبدو متباينة مع سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ففي وقت سابق من هذا العام، أثار سانشيز غضب ترامب عندما انتقد علناً وبحدة العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، معتبراً أن الهدف الحقيقي منها هو تغيير الحكومة والسيطرة على موارد الطاقة.

وفي الوقت نفسه، أكد أن حكومته لا تعترف بحكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لأن انتخابه "لم يكن شرعياً ولأنه خرق القواعد الديمقراطية"، بحسب تعبيره.

كما كان سانشيز من أبرز المنتقدين للرد العسكري الإسرائيلي على هجمات حماس على إسرائيل في عام 2023. فقد كانت إسبانيا من بين أكثر الحكومات الأوروبية تضامناً مع غزة، ووصفت ما يجري هناك بأنه "إبادة جماعية"، كما اعترفت بدولة فلسطينية قبل عدد من الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي.

وكرر سانشيز ووزير خارجيته مراراً أن "السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق سلام دائم" في الشرق الأوسط هو حل الدولتين.

كما كانت إسبانيا، بقيادة سانشيز، من أوائل الدول التي رفضت دعوة من إدارة ترامب للانضمام إلى مبادرة "مجلس السلام" في غزة، ممؤكدة التزام مدريد بالقانون الدولي وبمبادئ الأمم المتحدة.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :