الجمعة 13 فبراير 2026 10:46 صباحاً صدر الصورة، The Trustees of the British Museum
لطالما كانت سيرة الساموراي مصدر إلهام للمبدعين على مرّ العصور، بدءاً من تصاوير القرون الوسطى وكتاباتها ووصولاً إلى السينما وحرب النجوم.
على أن قصة الساموراي الحقيقية أكثر تعقيداً وإثارة للدهشة مما قدى يتراءى لنا.
ويُنظَر إلى بقاء إرث الساموراي رغم مرور الزمن على أنه ظاهرة فريدة في التاريخ الثقافي؛ فلم تحظَ أيٌّ من جماعات القرون الوسطى بما حظيت به طبقة الساموراي من احتفال وتخليد في الثقافة الشعبية- بدءاً من منقوشات الأوكيّو-إي الخشبية التي كانت سائدة في القرن الثامن العشر ووصولاً إلى ألعاب الفيديو والعروض التلفزيونية والأفلام.
غير أنّ قوس الشهرة يميل بطبيعته إلى التحريف، وهو ما حدث مع قصة الساموراي: وإلّا فهل كان حقاً هناك محاربون يتحّلون بكل هذا القدر من الشجاعة والإخلاص والفداء والنظام كما تقول قصص الساموراي؟
ثمّة رأي آخر يطرحه معرضٌ بعنوان "ساموراي" يستضيفه المتحف البريطاني حاليا- يحاول تبديد الضباب الذي يكتنف قصة هؤلاء المحاربين الأسطوريين ويكشف عن حقيقة حياتهم وتاريخهم.
وإذنْ، فمَن هم هؤلاء الساموراي، وكيف بدأت قصّتهم؟
لم يكن الساموراي جماعة متجانسة من الأشخاص، كما أنهم لم يحافظوا على صورة واحدة عبر فصول تاريخهم المتعاقبة- بحسب روزينا باكلاند أمينة معرض الساموراي الذي يستضيفه المتحف البريطاني.
وفي حديث لبي بي سي، قالت روزينا: "أعتقد أن التصوُّر السائد لدى الغرب عن الساموراي هو أنهم كانوا محاربين- وقد كانوا كذلك بالفعل. هكذا بدأوا ثم أحرزوا منزلة قوية إبان القرون الوسطى. لكنّ هذا ليس كل شيء".
صدر الصورة، The Trustees of the British Museum
تعود جذور الساموراي إلى القرن العاشر الميلادي، حيث بدأوا كمرتزقة في الدواوين الإمبراطورية، ثم بالتدريج أصبحوا نبلاء ريفيين؛ لكنهم لم يكونوا منذ البدء فرساناً يتلزمون بتقاليد الفروسية الراسخة- كما جنح الناس إلى تصوّرهم لاحقاً.
ففي المعارك، كان الساموراي يلجأون إلى الحِيل والتكتيكات الانتهازية كنَصب الكمائن والخداع، وغالباً ما كان دافِعُهم هو المكافآت الخاصة بالحصول على أطيان والترقّي إلى منازل اجتماعية رفيعة- أكثر مما كان هذا الدافع يتمثل في الإحساس بالشرف وبالواجب.
كما أنّ هيئَتهم التي تدلّ عليها الرسوم تشير إلى استعانتهم بتقنيات أجنبية- فيما يُعتبر أحد الوجوه المدهشة في شخصية الساموراي.
على سبيل المثال، ذلك الدرع أو السربال الذي كانوا يلبسونه لحماية صدورهم في المعارك، والذي كان مُصمَماً على الطراز البرتغالي، وكان لا بُد منه للوقاية من الرصاص خصوصاً بعد وصول الأسلحة الأوروبية الجديدة إلى اليابان في عام 1543.
"الثقافة قوة"
أحرزت طبقة الساموراي قوة سياسية، مستغِلّةً فوضى مجتمعية ونزاعات على العرش كانت سائدة إبان ذلك العصر.
وحدث أنْ تمكنتْ إحدى القبائل وتُدعى "ميناموتو" من الصعود وتأسيس حكومة جديدة في عام 1185، موازيةً للبلاط الإمبراطوري.
وقد شهدتْ سنواتٌ طويلة صعوداً وهبوطاً لعدد من الأُسَر الحاكمة، بناءً على نتائج معارك عديدة دارتْ رحاها بين قادة القبائل.
ولكنْ، "حتى في تلك المراحل المبكرة، كانت الثقافة أمراً بالغ الأهمية- كانت قوة" استعان بها الساموراي، وفقاً لروزينا باكلاند أمينة معرض المتحف البريطاني.
وقد أدرك هؤلاء القادة العسكريون للقبائل، والذين كانوا يُدعَون "الشوغونات"، أنه لن يستقرّ لهم الحُكم دون التخلّي عن مظهر وعقلية قادة الحرب البدائيين.
ومن ثمّ لجأ هؤلاء القادة إلى تعزيز ترسانتهم العسكرية بأسلحة أكثر دقة، كما أقبلوا بالتوازي مع ذلك على ممارسات اجتماعية أكثر تأثيراً في سبيل الوصول إلى االسلطة.
وقامت فلسفة الساموراي على أساس مبادئ كونفوشيوس الصينية؛ فعمدوا إلى "تحقيق الموازنة بين القوة العسكرية الصلبة والمهارة الثقافية فيما يُعرف بالقوة الناعمة"، بحسب روزينا باكلاند.
صدر الصورة، The Trustees of the British Museum
وإلى جانب إتقان مهارات الحرب، اكتسب الساموراي مهارات فنية كالتصوير والشعر والموسيقى والمسرح وحتى طقوس الشاي.
وثمة لوحة تصوّر مروحة يدوية عليها زهور الأوركيد، تعود للقرن التاسع عشر وهي من أعمال فنان من طبقة الساموراي- ولعلّ هذه اللوحة من أجمل القِطع الفنية التي يضمّها معرض المتحف البريطاني.
ويجري حالياً إنتاج الموسم الثاني من مسلسل "شوغن" التلفزيوني الذي يصوّر مرحلة مفصلية من تاريخ الساموراي- حيث نجح توكوغاوا إياسو زعيم إحدى القبائل في تشكيل حكومة باشرت أعمالها بنجاح، ليستمر هذا النظام في الحكم على مدى 250 عاماً.
وكان توكوغاوا قد انتصر في معركة سيكيغاهارا ليوحّد صفوف اليابانيين ويُسدل الستار على عصور الحروب الأهلية- ما يعني أنه لن تكون هناك معارك كبرى في البلاد وأن الساموراي قد بدأوا عهداً جديداً سيتفرغون فيه لإدارة شؤون الدولة بعدما قضوا زمناً في إدارة فنون القتال.
نساء الساموراي
في ظل دولة توكوغاوا، المعروفة باسم "شوغونية توكوغاوا"، عاشت طبقة النبلاء في العاصمة إيدو (طوكيو الآن)؛ فكانوا بذلك قريبين من بلاط الحاكم وفي قبضته دائماً- في محاولة لفرض الطاعة والولاء للساموراي، وفقاً لروزينا باكلاند؛ "فلا يمكنك إذا كنت بعيداً أن تسعى لتدبير المكائد بينما زوجتك وأولادك في قبضة السلطان".
وكان نتيجة ذلك، أنْ زاد نفوذ النساء في دوائر السُلطة؛ فكان نساء الساموراي يُشْرفنَّ على عمل الموظفين والحِرَفيين، إلى جانب الإشراف على تربية النشئ، كما أتقنَّ فنون الضيافة، وفق ما تدلّ عليه الرسومُ والكتابات التي يضمّها معرض الساموراي في المتحف البريطاني.
صدر الصورة، John C Weber collection/ Photo: John Bigelow Taylor
وفي ظل دولة أو "شوغونية توكوغاوا"، عكف مبدعو المسرحيات والقصائد والأعمال الفنية على تمجيد ماضي الساموراي، مؤكدين على شجاعتهم وإقدامهم وولائهم- ولم يكن هذا التمجيد قاصراً على رجال الساموراي فقط ولكنه امتد أيضاً ليشمل النساء.
وتُظهر مطبوعة خشبية تعود إلى عام 1852 إحدى نساء الساموراي، وتُدعى توموي غوزين، وهي زوجة أحد جنرالات قبيلة ميناموتو، بينما كانت تشارك في معركة أوازو التي دارت رحاها في عام 1184.
وتقول المطبوعة إن توموي غوزين تعقّبتْ المحارب الرهيب هاتشيرو موريشيغه قبل أن تقتلع رأسه بيديها القويتين.
النهضة
وفي عهد الإمبراطور ميجي، إبان دولة (أو شوغونية) توكوغاوا، فتحتْ اليابان أبوابها أمام التجارة الدولية وبدأت في تحديث مؤسساتها الصناعية والعسكرية وكذلك الاجتماعية.
ومن بين التغييرات التي صاحبتْ هذه الفترة، كان القضاء على طبقة الساموراي في عام 1869- فيما اعتُبر نقطة مفصلية أخرى في تاريخ الساموراي.
وترى روزينا باكلاند أن تاريخ الساموراي منذ تلك النقطة على وجه التحديد أصبح أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع.
وفي خارج اليابان، كان هناك غرام بحكايات الساموراي، لتكتسب مؤلَّفات مثل كتاب "روح اليابان" الصادر في عام 1899 بقلم نيتوبه إينازو شهرة واسعة.
وتذكر روزينا أنّ الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت اقتنى عدداً من نُسخ هذا الكتاب (روح اليابان) وأهدى بعض هذه النُسخ إلى أصدقائه.
ويوضّح الكتاب أسباب نجاح اليابان التي كانت قد انتصرت على الصين والسوفييت.
وعلى مدار القرن العشرين، شُوّهَتْ صورة الساموراي لأغراض مختلفة- كون الساموراي يرمز إلى هوية الإنسان الياباني.
وبعد أن وضعتْ الحرب العالمية الثانية أوزارها، عادت الحكايات تُنسَج من جديد حول الساموراي- ولكن هذه المرة كسيناريوهات للأفلام السينمائية.
ولعل أبرز مخرجي هذه الأفلام هو أكيرا كوروساوا، صاحب فيلم الساموراي السبعة عام 1954، والذي استُلهم منه فيلم العظماء السبعة الصادر عام 1960.
وفيما بعدُ، اتجهتْ هوليوود إلى إنتاج أفلام عن الساموراي، على غرار الساموراي الأخير (2003)، و"47 رونين" الصادر في عام 2013.
صدر الصورة، Courtesy of Lucasfilm
وكما يوضّح معرض الساموراي في المتحف البريطاني، فإن فيلم "أمل جديد" الصادر في عام 1977 مُستلهَم من قصة فيلم "القلعة المخفية" الصادر في عام 1958 للمخرج أكيرا ساوا- ويظهر التأثر في أزياء الفيلم بدرع الساموراي- لا سيما في زيّ شخصية دارث فيدر.
وتستمر فعاليات معرض الساموراي بالمتحف البريطاني في لندن حتى الرابع من مايو/أيار المقبل.
إنّ القصة الحقيقية للساموراي هي تلك التي تحكي كيف تطورّت طبقة الساموراي- من بدايتهم كمرتزقة وحتى وصولهم إلى الحُكم ورعايتهم الفنون.
وختاماً، بقي القول إن أسطورة الساموراي تظلّ مصدراً لا ينضب للغموض والإدهاش رغم مرور الزمن.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :