الأحد 8 فبراير 2026 04:04 مساءً صدر الصورة، Alamy
-
- Author, مولي غورمان
- Role, بي بي سي
-
قبل 3 دقيقة
نُشرت رواية "مرتفعات وذرينغ"، للروائية البريطانية إيميلي برونتي، في منتصف القرن التاسع عشر، واستحوذت الرواية، التي جمعت بين الحب العنيف وشراسة الانتقام، منذ ذلك الوقت على اهتمام القراء، كما أحدثت جدلاً بين النقاد.
نشرت الكاتبة برونتي روايتها في البداية تحت اسم مستعار هو "إليس بيل"، وقوبل العمل بردود فعل متباينة عندما صدر أول مرة عام 1847، إذ شن بعض النقاد هجوماً لاذعاً على الرواية، ورفضوا ما اعتبروه بمثابة "قسوة وحشية" وتصوير لـ "حب شبه همجي"، في المقابل، أشاد آخرون بما تحمله رواية برونتي من "قوة وذكاء فني"، ووصفوا رسم شخصياتها بالـ "قوي والصادق"، بينما اكتفى كثيرون بوصف الرواية بـ "غريبة الأطوار".
وعلى الرغم من رواج الأدب القوطي في تلك الفترة، تبدو صدمة قراء القرن التاسع عشر من تلك الرواية مفهومة، نظراً لصرامة المعايير الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
وتقول كلير أوكالاهان، أستاذة الأدب الفيكتوري بجامعة لوفبرا في المملكة المتحدة ومؤلفة كتاب "إعادة تقييم إيميلي برونتي": "لم يعرف الناس كيف يتعاملون مع هذا العمل، نظرا لافتقاره لمنظور أخلاقي محدد".
وبعد ثلاثة أعوام على نشر الرواية، كشفت الروائية شارلوت برونتي عن الهوية الحقيقية لمؤلفة مرتفعات وذرينغ، وأكدت أن "إليس بيل" لم يكن رجلاً، بل اسم مستعار لشقيقتها الصغرى إيميلي برونتي.
وقالت شارلوت إن النقاد لم ينصفوا رواية إيميلي، ولفتت إلى أن "القدرات الحقيقية، غير مكتملة النضج، التي كشفت عنها مرتفعات وذرينغ، لم تحظ بالتقدير الكافي، وأُسيء فهم جوهر القصة وطبيعتها".
صدر الصورة، Getty Images
وبوصفها رواية من الأدب القوطي تدور أحداثها في محيط عائلتين في سهول يورك شاير القاحلة، أصبحت مرتفعات وذرينغ لاحقاً عملاً كلاسيكياً مؤسساً لنوع أدبي خاص، وعلى الرغم من ذلك، لا تزال كلمات شارلوت برونتي تجد صداها حتى اليوم.
وتستعد إميرالد فينيل، مخرجة فيلم "سولتبيرن"، لطرح رؤيتها الخاصة لرواية مرتفعات وذرينغ، من خلال فيلمها الجديد الذي يُعرض في 13 فبراير/شباط الجاري، بطولة الممثلة الأسترالية مارغوت روبي (في دور كاثرين إيرنشو)، والممثل الأسترالي جاكوب إيلوردي (في دور هيثكليف).
وأثار الفيلم، قبل طرحه في دور العرض، حالة من الجدل، فمن خلال الإعلان الترويجي للفيلم أثيرت انتقادات طالت سن بطلي العمل وأصولهما، فضلاً عن مشاهد وصفت بأنها مليئة بالإيحاءات الجنسية، وكذا الأزياء التي وُصفت بأنها غير دقيقة تاريخياً.
وكانت فينيل قد أضافت علاماتي الاقتباس إلى عنوان فيلمها، مؤكدة أنها لا تقدم اقتباساً مباشراً للرواية، بقدر ما تقدم رؤيتها الخاصة، وبررت ذلك بأن القصة "شديدة الكثافة ومعقّدة وصعبة المعالجة"، فهل مخرجة العمل على حق في ذلك؟
وهنا يبرز سؤال لماذا ظلّت هذه الرواية "الغريبة" والجذابة في ذات الوقت، منذ صدورها، موضع حيرة وإرباك لدى القراء والمعجبين والنقاد على حد سواء؟
قصة حب عنيف وانتقام
صدر الصورة، Warner Bros
لم تخطيء المخرجة فينيل في وصفها للرواية بأنها تنطوي على طبيعة معقّدة، فالبنية السردية لم تتبع ترتيباً زمنياً مباشراً، فضلاً عن تعدد مستوياتها، واعتمادها على رواة، وهو ما أربك القارئ منذ البداية، ولماذا يتشارك الجميع نفس الاسم؟ وكم عدد كاثي وكاثرين ولينتون وهيثكليف، بل وحتى لينتون هيثكليف، الذين يمكن أن يحتويهم عمل يتألف من نحو 300 صفحة؟
تُعد مرتفعات وذرينغ في حد ذاتها رواية داخل رواية، فهي تقفز بين الماضي والحاضر، وتمتد إلى نحو 30 عاماً، وتحيل الكاتبة سرد أحداث قصتها إلى اثنين من الرواة هما لوكوود، مستأجر هيثكليف، ونيللي دين، الخادمة التي عملت في منزلين في بثراشكروس غرانج ومرتفعات وذرينغ، بيد أن كليهما غير موثوق بهما.
ويعبر لوكوود، وهو نبيل قادم من لندن يتعالى على الآخرين، عن شخصية المتفرج الفضولي والوسيط الذي يتيح للقارىء كشف أسرار الماضي، أما نيللي، التي تتولى كشف تلك الأسرار، فتسرد القصة اعتماداً على ما يبدو ذاكرة شبه كاملة، وهي تمسك بزمام السرد، وتتدخل مراراً في مجريات الأحداث، كما تنعكس بوضوح ميولها العاطفية تجاه بعض الشخصيات وأحكامها المسبقة على غيرهم.
وتحدثت المخرجة إميرالد فينيل عن ولعها بالرواية منذ أن قرأتها أول مرة في مرحلة المراهقة، ويتبنى فيلمها شعار "أعظم قصة حب على مر العصور"، بيد أن وصفها بأنها أعظم قصة انتقام ربما يكون الأكثر دقة، فبدون شك تحتوي الرواية على حب رومانسي عنيف، كما يتضح من قول كاثرين (بطلة الرواية): "أياً كانت المادة التي تكونت منها أرواحنا، فإن روحه وروحي من جوهر واحد، أما روح لينتون فمختلفة كما يختلف شعاع القمر عن البرق، أو الصقيع عن النار".
بيد أن بعض القراء ربما ركزوا على هذا الجانب، ولم يكترثوا إلى مسار الأحداث بعد ذلك.
وسرعان ما يتبين من أحداث الرواية أن هيثكليف ليس بطلاً رومانسياً بقدر ما هو بطل يمزقه العذاب، كما أن كاثرين شخصية مثيرة للجدل، تميل للمبالغة في التعبير عن مشاعرها الخاصة، ولديها نزعة حقد، أما الرابط الذي لا ينفصم بينهما، رغم حيويته واستمراره، يظل رابطاً محكوماً عليه بالفشل، كما تنتقل معاناتهما المستمرة إلى دائرة الإساءة والدمار التي تتوارثها الأجيال.
ويتكامل البناء السردي لرواية مرتفعات وذرينغ بمهارة مع تناول موضوعي الحب العنيف والانتقام، وكانت الطبعة الأولى للرواية قد صدرت في مجلدين، وهو تقسيم يمكن تفسيره على أنه فصل بين جيلين، إذ ركز المجلد الأول على كاثرين وهيثكليف، بينما تناول المجلد الثاني جيل الأبناء.
في الجزء الأول، تجنح الكاتبة إيميلي برونتي إلى كسب تعاطف القارئ مع هيثكليف، الذي يصل إلى المرتفعات طفلاً يتيماً، ويُعامل بوصفه كائناً دخيلاً، ويُوصف بأنه "طفل رثّ الشعر، غجري داكن البشرة في مظهره"، بل وتبصق عليه كاثرين نفسها.
ثم يتعرض هيثكليف لإيذاء جسدي على يد أخيه بالتبني هندلي إيرنشو، مدمن الخمر، الذي يحط من شأنه ويعامله كخادم، وعلى امتداد أحداث الرواية، يُشار إليه مراراً بصفة "القذر"، ولا يجد تعزية حقيقية إلا في كاثرين، التي يجوب معها السهول البرية، بيد أنه، رغم تصريح كاثرين "أنا هيثكليف… إنه الأقرب لذاتي من نفسي"، وبسبب سوء فهم حوار، تتزوج من إدغار لينتون الثري، صاحب ثراشكروس غرانج.
ويزداد انتقام هيثكليف من إدغار ومن كاثرين في النصف الثاني من الرواية، عقب وفاة كاثرين، وهنا تضع برونتي تعاطف القارئ على محك قاس، ويهيمن طغيان هيثكليف الوحشي، ويمارس عنفاً جسدياً ونفسياً ضد زوجته إيزابيلا، شقيقة إدغار، من خلال أفعال مروعة، من بينها شنق كلبها.
ويمتد عنف هيثكليف ليشمل أطفال العائلة، فهاريتون، ابن هندلي، يُرغم على العمل خادماً، مكرراً المصير ذاته الذي عاشه هيثكليف في فترة صباه، كما يختطف كاثي لينتون، ابنة كاثرين وإدغار، ويجبرها على الزواج من ابنه لينتون هيثكليف، بغية تأمين السيطرة على ثراشكروس غرانج، فكل أفعاله مدروسة بعناية، ومشحونة بروح الانتقام.
الإرث المعقد للرواية
صدر الصورة، Warner Bros
تجاوزت بعض المعالجات السينمائية والتلفزيونية النصف الثاني من أحداث رواية مرتفعات وذرينغ على الأرجح بسبب قسوته وتعقيده، إذ ينتهي فيلم المخرج ويليام وايلر، الفائز بالأوسكار عام 1939، بعد وفاة كاثرين بقليل، مع حضور شبحها وتجوالها مع هيثكليف في السهول، وينطبق الأمر ذاته على فيلم المخرج روبرت فيوست عام 1970 من بطولة تيموثي دالتون، وكذلك على فيلم المخرج أندريا أرنولد عام 2011، الذي يخصص معظم فيلمه لكاثرين وهيثكليف في سنوات الشباب.
بيد أن وفاة كاثرين تحدث في منتصف الرواية، وهو ما أدى إلى تجاوز نحو 18 عاماً أخرى من السرد في كثير من هذه الأعمال الفنية، الأمر الذي خفف من حدة النهاية وتفاصيلها الأشد قتامة، وقد حاولت بعض الأعمال احتواء القصة كاملة، من بينها مسلسل من إنتاج بي بي سي عام 1967، والذي ألهم كيت بوش لتقديم أغنيتها الناجحة عام 1978، بيد أن مسلسل بي بي سي القصير عام 1978، وبفضل مدته التي تبلغ نحو خمس ساعات، يُنظر إليه بوصفه العمل الأكثر التزاماً بالنص الأصلي بالكامل.
وترى كلير أوكالاهان، أستاذة الأدب الفيكتوري بجامعة لوفبرا في المملكة المتحدة، أن تجاهل الجزء الأخير من الرواية "غير فعال"، وتضيف: "أعتقد أن الحب والانتقام هما المحركان الأساسيان للرواية، وهذا ما يمنحها عظمتها، فلا توجد حدود لما يمكن أن يفعله (هيثكليف) كي يجعل الآخرين يدفعون الثمن".
ويحيا هيثكليف حياة معذبة مليئة بالحزن العميق، ويصب هذا الألم على كل من حوله، من دون أن يشعر بأي تأنيب للضمير، وترى أوكالاهان أن امتناع إيميلي برونتي عن تصحيح أخطائه، وتركه يموت من غير عقاب إضافي، لا يهدف إلى تبرئته، بل إلى طرح أسئلة أكثر تعقيداً مثل: ما هو الحب؟ وهل ينجح نظام الزواج؟ وما الحدود القصوى للعنف؟
هذا هو الإرث المعقد للرواية، وتقول أوكالاهان: "تميل الثقافة الشعبية إلى اختزال الرواية في كونها قصة حب عظيمة، لكن عندما يطالعها القراء للمرة الأولى، يصيبهم نوع من الانزعاج، لأن العمل مختلف تماماً، ولا يزال يحتفظ بقدرته على الصدمة، وأعتقد أننا، مثل أبناء العصر الفيكتوري، ما زلنا نكافح لتحديد ماهيته وكيفية التعامل معه".
صدر الصورة، Getty Images
كما يُساء فهم الرواية واعتبارها قاتمة على نحو متواصل، في حين أنها تكون في بعض لحظاتها طريفة إلى حد ملحوظ، فنيلي وزيلا، الخادمتان، معروفتان بولعهما بالنميمة، ولينتون هيثكليف طفل كئيب، ضعيف البنية ومدلل، يستفز القارئ، أما الخادم جوزيف، فعندما تُفهم كلماته عبر لهجته الثقيلة التي يتحدثها بها سكان يورك شاير، يبدو ساخراً لاذعاً، ولا يكاد ينطق بشيء جيد، وحين تمرض كاثرين بعد بحثها عن هيثكليف تحت المطر، يعلّق بسخرية: "تجري وراء الصبية، كالعادة؟".
كما تحمل شخصية لوكوود نزعة متعالية تنطوي على بعض الطرافة، وتقول أوكالاهان: "يبدو كأنه شخصية من رواية لجين أوستن وجدت نفسها فجأة داخل عالم برونتي، وهو أمر أراه مثيراً للضحك".
وتضيف: "إذا قُرئت الرواية بوصفها، إلى حد ما، نوعاً من السخرية القوطية، فإنها تتحول إلى عمل مختلف تماماً، لكن الناس يتعاملون معها بجدية مفرطة، أليس كذلك؟ فهم مقتنعون تماماً بأن هذه شخصيات حقيقية، لا نماذج من شخصيات قوطية مبالغ في رسمها".
لم تعش إيميلي برونتي لترى نجاح روايتها الوحيدة، لكننا نعلم أنها طالعت أولى المراجعات، ويُعرض مكتبها الذي كانت تكتب عليه روايتها في متحف برونتي في هاورث، ويضم خمسة مقاطع من مراجعات مرتفعات وذرينغ، والتي كانت أغلبها سلبية، وتوفيت عن عمر ناهز 30 عاماً بسبب مرض السل، بعد نحو عام من نشر الرواية، تاركة وراءها تحفة أدبية.
وسواء كنت من المعجبين المتحمسين بشخصيات برونتي المليئة بالعيوب، أو من بين منتقديها، فإن الحبكة المثيرة للاضطراب والرومانسية القاسية بمثابة عاملين منحا مرتفعات وذرينغ جمهورها عبر تاريخها، ويمكن القول إن الرواية "أدخلتنا في حالة جنون".
ومن المؤكد أن تفسير فينيل، الذي تطرحه في فيلمها، لن يكون الأخير، ورغم ذلك، يبقى السؤال عما إذا كان بإمكان أي شخص أن يقدم هذا الكتاب على الشاشة بشكل لائق أم لا.
ولعلنا نتفق على الأقل مع ناقد مجهول، كتب مراجعة للرواية في يناير/كانون الثاني عام 1848: "يستحيل أن تبدأ قراءتها دون أن تكملها، ويستحيل أيضاً أن تضعها جانباً دون أن تعلق عليها".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :