Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

هل هناك مبالغة في تقدير فوائد فيتامين سي؟

الثلاثاء 27 يناير 2026 10:16 صباحاً صدر الصورة، Getty Images

Article Information
    • Author, سمية نصر
    • Role, بي بي سي عربي
  • قبل 12 دقيقة

من أولى ذكريات طفولتي في فصل الشتاء التحديق في كوب من الماء لمراقبة ذلك القرص البرتقالي الفوار بحماس، بينما تخرج منه فقاعات هوائية صغيرة تغيّر لون المياه، فيذوب القرص ويتلاشى تدريجياً. أدركت فيما بعد أنها أقراص فيتامين سي التي كانت والدتي تشتريها مع ظهور بوادر أعراض نزلات البرد في منزلنا، بالإضافة إلى تحضير كثير من أكواب عصير البرتقال والليمون.

إلى يومنا هذا، لا يزال كثيرون يلجأون إلى فيتامين سي الذي يعد من أكثر المكملات الغذائية التي تحظى بثقة الناس حول العالم، إذ يتم التسويق له بوصفه وسيلةً بسيطة ورخيصة للحماية من أمراض عديدة أخرى إلى جانب تعزيز المناعة وإبطاء الشيخوخة.

لكن عشرات السنين من الأبحاث العلمية التي تناولت فيتامين سي تحكي قصة أكثر تعقيداً.

فما هو فيتامين سي وما دوره في الجسم؟

هو فيتامين قابل للذوبان في الماء، ويعرف أيضاً باسم حمض الأسكوربيك (ascorbic acid).

يلعب هذا الفيتامين دوراً حيوياً في إنتاج الكولاجين، وهو بروتين مهم يعد مكوناً أساسياً لبناء الجلد والعضلات والعظام والأربطة والأوتار والتئام الجروح. كما أنه مضاد للأكسدة ويلعب دوراً في أيض البروتين.

يقول البروفيسور غَنتَر كونله أستاذ التغذية بقسم علوم الغذاء والتغذية بجامعة ريدينغ البريطانية إن فيتامين سي يعد أيضاً "مضاداً للأكسدة يساعد على تحييد الراديكلات (الجذور) الحرة [جزيئات غير مستقرة تتسبب في إتلاف الخلايا والبروتينات والحمض النووي] التي تتكون في الجسم، ويلعب دوراً مهماً في الجهاز المناعي".

لا يستطيع جسم الإنسان إنتاجه بشكل طبيعي، ولذا يحتاج إلى الحصول عليه من خلال الأطعمة أو المكملات الغذائية.

من بين أفضل مصادر فيتامين سي الطبيعية الحمضيات (الموالح) كالبرتقال والليمون واليوسفي، والفراولة، والكيوي، والجوافة، والفلفل الأحمر والأخضر، والبروكلي، وعصائر البرتقال والغريب فروت والطماطم.

صدر الصورة، Getty Images

الجرعة المثلى والجرعة الآمنة

تختلف الإرشادات الرسمية من بلد إلى آخر بشأن الجرعة التي يوصَى بتناولها يومياً. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة الجرعة الموصى بها هي 40 ميليغرام يومياً للبالغين، في حين توصي الإرشادات الرسمية في الولايات المتحدة بتناول الرجال 90 ميليغراماً والنساء 75 ميليغراماً يومياً.

يقول البروفيسور كونله إن "هناك الكثير من المناقشات بشأن مقدار الجرعة الصحية من [فيتامين سي]. التوصيات الغذائية بشكل عام تركز على منع حدوث نقص فيه، لضمان البقاء على قيد الحياة، وليس لتحديد الكمية المثلى".

ويضيف أنه "عندما تزيد الجرعة عن 100 ميليغرام يومياً تتوقف نسبة فيتامين سي في البلازما عن الزيادة، ولذا من الممكن النظر إليها على أنها الكمية "المثلى – لكن هناك آراء مختلفة والبعض ينصحون بكميات أعلى من ذلك بكثير".

متى تصبح مكملات فيتامين سي غير مفيدة أو حتى ضارة؟

يقول البروفيسور بيتر كوهين الأستاذ المساعد بكلية الطب بجامعة هارفرد الأمريكية والذي أجرى العديد من الأبحاث عن المكملات الغذائية، إن "فيتامين سي يُعد في العادة آمناً لغالبية الناس، غير أن هناك جدلا بشأن ما إذا كان الإفراط في تناوله من الممكن أن يتسبب في حصوات في الكلى لدى الرجال".

وتختلف الآراء والتوصيات كذلك بشأن الحد الآمن لجرعات فيتامين سي.

وفقاً لموقع الخدمة الصحية الوطنية البريطانية، فإن تناول أكثر من 1000 ميليغرام (غرام واحد) يومياً من فيتامين سي من الممكن أن يتسبب في الإصابة بآلام المعدة أو الإسهال أو الغازات.

أما في الولايات المتحدة، فقد "تم تحديد الحد الأقصى المقبول للاستهلاك للبالغين بغرامين (2000 ميليغرام) يومياً، استناداً إلى الآثار الجانبية المحتملة مثل الإسهال الإسموزي واضطرابات الجهاز الهضمي"، كما يقول البروفيسور هاري هيميلا أستاذ الأمراض المعدية بقسم الصحة العامة بجامعة هيلسينكي الفنلندية الذي شارك في العديد من الدراسات حول فيتامين سي.

ويضيف هيميلا: " نظراً لعدم وجود أدلة على تحقق المزيد من الفائدة بتناول جرعات عالية، لا أرى داعياً لتناول شخص يتمتع بصحة جيدة لأكثر من 500 ميليغرام يومياً في صورة أقراص".

كيف اكتسب فيتامين سي سمعته الرائعة؟

تشير المراجع الطبية والتاريخية إلى أن سمعة فيتامين سي بُنيت على واحدة من أوضح قصص النجاح الطبية في التاريخ. في القرن الثامن عشر، وجد الأطباء البريطانيون أن البحارة المصابين بمرض الإسقربوط الذي يتسبب في مشكلات صحية مثل نزيف اللثة والإرهاق وتساقط الأسنان وآلام العضلات والمفاصل، يتعافون من المرض بعد تناول الفواكه الحمضية. ومع بدايات القرن العشرين، توصل العلماء إلى أن فيتامين سي هو العنصر الغذائي الذي يؤدي نقصه إلى الإصابة بذلك المرض، وهو ما أبرز أهميته للصحة العامة، نظراً للأعراض الشديدة والواضحة التي ينتج عنها الافتقار إليه.

وخلال العقود التالية، بدأ النظر إلى أهمية فيتامين سي على أنها تتجاوز مجرد الوقاية من الأعراض المترتبة على نقصه، إذ توصلت أبحاث إلى أنه يلعب دوراً صحياً بوصفه مضاداً للأكسدة وعاملاً مهما في إنتاج الكولاجين، وبدأ ربطه بمكافحة العدوى والشيخوخة والوقاية من نزلات البرد، وأمراض القلب والسرطان وتقليل التجاعيد. فما مدى صحة هذه المزاعم؟

صدر الصورة، Getty Images

فيتامين سي ونزلات البرد

هناك اعتقاد سائد منذ سبعينات القرن الماضي بأن فيتامين سي يكافح نزلات البرد أو يمنع الإصابة بها. فهل هناك أدلة علمية على ذلك؟

"استناداً إلى العديد من التجارب العشوائية، ليس هناك دليل على أن فيتامين سي يمنع نزلات البرد لدى عامة الناس"، هكذا أخبرني البروفيسور هيميلا، مضيفاً: "لكنّ هناك دليلاً قوياً على أنه من الممكن أن يقلل خطر الإصابة بنزلات البرد إلى النصف لدى الأشخاص الذين يمارسون تمرينات رياضية شاقة للغاية لفترات قصيرة".

أما فيما يتعلق بمكافحة أعراض البرد بعد الإصابة بها، فيقول هيميلا إن الدراسات أظهرت أن هناك دليلاً متسقاً على أن فيتامين سي يقصر من طول نزلات البرد وشدتها يقدره بنحو 15 إلى 20 في المئة. وبناءً على ذلك، يضيف هيميلا، "ربما كان من المعقول تناول 6 إلى 8 غرامات من فيتامين سي يومياً عندما يبدأ الشخص بالشعور بأعراض نزلة البرد وحتى انتهائها".

فيتامين سي والمناعة

يقول البروفيسور هيميلا إنه "إذا كانت نسبة فيتامين سي التي يحصل عليها الشخص منخفضة، سيعود ذلك بالضرر على الجهاز المناعي – لكني أتحدث عن نسبة منخفضة للغاية. أما الشخص الذي يتمتع بصحة جيدة ويتناول كمية "عادية" من فيتامين سي، مثل 100 ميليغرام يومياً، فلا أرى أن ثمة دليلاً على أن تناوله 500 ميليغرام يومياً في صورة مكملات سيعود بالفائدة على جهازه المناعي".

ماذا عن مزاعم تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والسرطان؟

يشير البروفيسور هيميلا إلى دراسة موسعة شارك فيها أكثر من 14 ألفاً من الأطباء الأمريكيين الذكور للنظر في تأثير بعض المكملات الغذائية ومنها فيتامين سي على بعض الأمراض: " تناول هؤلاء الأطباء 500 ميليغرام من فيتامين سي يومياً على مدى ثمانية أعوام، وأظهرت الدراسة أن تلك المكملات لم تؤد إلى تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب أو السرطان. لكن تنبغي الإشارة إلى أن الأطباء يتبعون نمط حياة صحياً للغاية، لذا لا يصح تعميم النتائج السلبية على باقي الأفراد".

بعض الدراسات الرصدية (التي تتضمن مراقبة الأشخاص وتحليل النتائج دون تدخل الباحثين) أشارت إلى وجود صلة بين ارتفاع نسبة فيتامين سي في الدم وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. لكن الدراسات العشوائية المحكمة (التي تُعد بشكل عام أكثر دقة من الدراسات الرصدية) لم تتوصل إلى نتائج مشابهة. ويرى كثير من الباحثين أن ثمة حاجةً إلى المزيد من الدراسات عالية الجودة لحسم الجدل.

المكملات مقابل الغذاء

هل هناك أدلة على أن مكملات فيتامين سي لها فوائد أكثر مقارنة بالحصول عليه من مصادر غذائية طبيعية؟ طرحت السؤال على البروفيسور كوهين فجاءت إجابته قاطعة: "لا".

يضيف كوهين: "أفضل شيء هو اتباع نظام غذائي غني بالخضروات والفواكه، عندها لن تكون هناك ضرورة لأقراص فيتامين سي".

صدر الصورة، Getty Images

فيتامين سي والبشرة

كثر استخدام فيتامين سي في مستحضرات العناية بالبشرة في الأعوام الماضية، إذ يُروَج له على أنه يساعد في إبطاء مظاهر شيخوختها ومنع التلف الذي تتسبب فيه أشعة الشمس وتقليل البقع الداكنة وحب الشباب. فما مدى دقة هذه المزاعم؟

يقول الدكتور ماغنَس لينش استشاري الأمراض الجلدية في لندن إن "هناك بعض الأدلة على أن فيتامين سي من الممكن أن يساعد في تقليل البقع الداكنة. هناك دليل أضعف على أنه من الممكن أن يساعد في تخفيف التلف الناتج عن أشعة الشمس الضارة".

هل يجب أن يكون فيتامين سي موضعياً لتحقيق هذه الفائدة، أم أن ما نتناوله من خلال الغذاء والمكملات من الممكن أن يقوم بهذا الدور؟

يقول الدكتور لينش: "من فوائد فيتامين سي الموضعي أنه يوصل تركيزاً عالياً للبشرة بشكل مباشر. من غير العملي تناول هذه الكمية عبر الفم في صورة أقراص، لأن فيتامين سي في هذه الحالة سيتوزع في مختلف أجزاء الجسم بدلاً من أن يتركز في البشرة".

فيتامين سي الموضعي تم اختباره على البالغين، ولا ينصح به للأطفال.

وينبه لينش إلى أنه قد يتسبب في تهيج البشرة، "لا سيما للمرضى المصابين بحالات مثل الإكزيما والوردية (rosacea)".

إذا كنت من ذوي البشرة الحساسة أو لديك حساسية تجاه بعض المكونات، من الأفضل إجراء اختبار الرقعة الجلدية (patch test ) أو استشارة طبيب مختص.

وبسؤاله عما إذا كان ينصح باستعمال مستحضرات العناية بالبشرة التي تحتوي على فيتامين سي، قال لينش: "نصيحتي هي أن أهم شيء يمكننا فعله لحماية البشرة من علامات الشيخوخة والبقع الداكنة هو استخدام مستحضرات الوقاية من الشمس. هناك أدلة جيدة على أن الـ retinoids "الريتينويدات" من الممكن أن تحفز إنتاج الكولاجين وتقلل مظاهر التلف التي تتسبب فيها أشعة الشمس. الشخص الذي يستخدم تلك المنتجات من الممكن أن يحصل على فوائد إضافية من استعمال فيتامين سي".

يحتل فيتامين سي مكانة خاصة في الوعي الصحي العام، تتجاوز في كثير من الأحيان ما تؤيده الأدلة العلمية. فمع أن له دورًا أساسياً لا غنى عنه في الجسم، فإن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن تأثيره ربما كان أقل شمولاً مما يُروَّج له. إنه بالتأكيد عنصر مهم للصحة، لكنه ليس علاجاً سحرياً.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :