الأربعاء 14 يناير 2026 07:40 صباحاً صدر الصورة، EPA
-
- Author, سوزانا قسوس
- Role, بي بي سي نيوز عربي
-
قبل 8 دقيقة
تأتي الحوادث الأخيرة في حمص لتسلط الضوء على استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في سوريا، بعد سنوات من النزاع المسلح وبعد سنة من سقوط نظام الأسد.
فقد شهد حي وادي الذهب بحمص، ذو الغالبية العلوية، تفجيراً دموياً استهدف المصلين في مسجد الإمام علي بن أبي طالب، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، تبرز هذه الحادثة في سياق تكرار حوادث عنف في البلاد. وتنشط جماعات ذات صبغة طائفية في مناطق مختلفة من سوريا منذ سقوط سيطرة الدولة على أجزاء من سوريا، ما يزيد من هشاشة الوضع ويضاعف المخاطر التي يواجهها السكان المحليون يومياً.
يوم الاثنين 12 كانون الثاني/ يناير، أعلنت وزارة الداخلية السورية، توقيف شخصين قالت إنهما ينتميان إلى تنظيم الدولة الإسلامية، بتهمة الضلوع في تفجير استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب ذي الغالبية العلوية في مدينة حمص، بتاريخ 26 كانون الأول/ديسمبر، وأسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة العشرات.
يرى بعض أبناء الطائفة العلوية في سوريا أنهم "يواجهون ظلماً مزدوجاً"، إذ يُنظر إليهم بوصفهم حلفاء للنظام السابق، ويتعرضون في الوقت ذاته "للنبذ وضغوط مجتمعية" نتيجة ربط الطائفة بنظام الأسد، وعلى الصعيد الاقتصادي، يشيرون إلى أن عدداً كبيراً منهم يتعرض لـ"فصل تعسفي" من دوائر ومؤسسات حكومية، وهي قطاعات كان النظام السابق قد حصر عملهم فيها لسنوات.
**ملحوظة: تم استخدام أسماء مستعارة للمتحدثين لي في هذا المقال من سكان مدينة حمص - حمايةً لهوياتهم الشخصية**.
مجموعات مسلّحة تستخدم "الأسلحة البيضاء"
خلال الاحتجاجات التي وقعت في إحدى المناطق السكنية في حمص، روى شهود لبي بي سي تفاصيل مواجهات شهدتها شوارع المدينة ودوار التجمع الرئيسي.
قال فارس، وهو أحد المشاركين في الوقفة، إن التجمع جاء احتجاجاً على تفجير جامع الإمام علي في حمص، مطالباً بوقف العنف، والإفراج عن المعتقلين، ووقف الفصل الوظيفي التعسفي، بهدف "تحقيق سلم أهلي فعلي وبناء وطن".
وأوضح أن قوات الأمن العام أغلقت مداخل المدينة ومنعت القادمين من الضواحي من الوصول، مع السماح فقط لسكان المدينة بالمشاركة.
أشار إلى أن الهجوم بدأ من مجموعة قادمة من جهة "جبلة البلد"، استخدمت الحجارة والأسلحة البيضاء كالسكاكين والعصي والمواسير الحديدية، وضمّت عشرات الأشخاص، واستمر رغم انتشار عناصر الأمن العام ووجود سيارات وقناصة على أسطح المباني، من دون أي تدخل لوقف الاعتداء، معتبراً أن الانتشار الأمني "وفّر حماية للمهاجمين".
وأضاف أن الاعتداءات طالت كل من كان في الشارع، وتعرّض هو ووالده للضرب المباشر، حيث اضطر للانبطاح فوق والده لحمايته بعد سقوطه أرضاً، وأصيب بطعنة في الكتف وضربة بأداة حادة في الظهر إلى جانب ضربات بالعصي والمواسير، فيما أصيب والده بضربات في الساق اليسرى والظهر والفخذ وكدمات عدة أثّرت على حركته.
وبيّن أن الاعتداءات امتدت إلى الشوارع المحيطة والمداخل المؤدية لأحياء مكتظة، وتسببت بأضرار كبيرة للمحال والسيارات، مع محاولات لإحداث إصابات خطيرة، ما دفع بعض السكان للدفاع عن منازلهم. ولفت إلى أن الخوف من التوقيف أو الاعتقال منعهم من التوجه إلى المشفى، فاكتفوا بإسعافات أولية منزلية ومساعدة أشخاص في المكان، ثم فحص طبي لاحق لوالده المصاب بالسكري.
من جهته، وفي تصريح لبي بي سي، قال العميد مرهف النعسان، قائد الأمن الداخلي في محافظة حمص، إن وزارة الداخلية "نسّقت بشكل مباشر مع وجهاء وأعيان ومخاتير المناطق، وتم الاتفاق على انتشار القوى الأمنية عند إقامة أي فعالية أو احتفال، في إطار الحفاظ على الأمن والنظام العام".
وأضاف أن الوزارة "فعّلت دوريات أمن الطرق ووسّعت نطاق انتشارها داخل الأحياء، بهدف منع أي تجاوزات محتملة وتسريع الاستجابة لأي طارئ". وأوضح أن "آلية استقبال البلاغات تشمل تفعيل أرقام العمليات للتواصل المباشر مع المواطنين، إلى جانب الجاهزية الكاملة لأقسام الشرطة المنتشرة في جميع الأحياء للتعامل الفوري مع أي بلاغ".
قال سليم، وهو شاهد ثانٍ، إن الأمن العام "كان يفترض أن يحمي المتظاهرين"، لكنه "لم يتدخل" عندما هاجمتهم مجموعات المسلحين، ما أدى إلى إصابة العديد منهم، وسط استهداف من يصوّر أو يوثّق الأحداث، ما دفعه للاختباء خوفاً على حياته.
وأوضح الشاهد لبي بي سي أنه شارك في تظاهرة استمرت نحو ساعة، رُفعت خلالها شعارات تطالب بالفيدرالية وتؤكد وحدة المكونات المجتمعية، مثل "علوي وكردي ودرزي شعب واحد"، لافتاً إلى انتشار أمني كثيف شمل عشرات العناصر، قناصة على الأسطح، كلاب بوليسية وطائرات مسيّرة، مع إغلاق الطرق والسماح بالدخول الفردي فقط.
وأشار إلى وقوع إصابات مباشرة، بينها إصابات بليغة في الوجه وحالات طعن، واستمرار التراشق بالحجارة، وأضاف أن الاعتداءات امتدت لاحقاً إلى مداخل أحياء مجاورة، شملت تكسير سيارات ومحاولات اقتحام منازل، وسماع صرخات نساء واشتباكات بالحجارة بين شبان الحي و"مجموعات تخريبية".
كما أشار إلى إصابة أحد معارفه ووالده بطعنات، وعدم قدرتهم على نقلهم إلى المشفى خوفاً من التوقيف، حيث تلقوا إسعافات أولية في منزل طبيب.
وقال إن بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا تنشر صوراً للمحتجين وتقوم بـ"التحريض" عليهم مع ذكر أسمائهم وأماكن عملهم، بحسب الشاهد.
ختم بالقول إن حالة الخوف والرعب لا تزال مستمرة، مع اعتداءات وتهديدات متكررة بينها رمي متفجرات صوتية في أحياء سكنية، ما يُقيّد حركة السكان وأجبر كثيرين على البقاء في منازلهم. وأكد أنه مدني غير مرتبط بأي جهة أمنية، لكنه يشعر بخطر دائم بسبب كونه من الطائفة العلوية، وفق قوله، لافتاً إلى أن الخروج من البيت بات محدوداً جداً، ويقتصر على الضرورة القصوى.
"كل الشباب يفكرون بالسفر، وأنا كنت من أوائلهم، لكن الإمكانيات المادية محدودة جداً. تكلفة السفر مرتفعة جداً، قد تصل إلى ملايين، لذلك حتى الآن لم نتمكن من المغادرة، رغم رغبتنا"، يقول سليم.
فيما يتعلق بالتعامل مع المخالفين أو المجموعات المسلحة، أكد العميد مرهف النعسان، قائد الأمن الداخلي في محافظة حمص، في تصريح لبي بي سي، أن "أي حالة تتضمن خلافاً قانونياً تُعالج حصرياً عبر الجهات المختصة، سواءً كانت مهام خاصة أو أمن طرق أو شرطة، وذلك وفق طبيعة البلاغ والإجراءات القانونية المعتمدة".
وأشار قائد الأمن الداخلي إلى أن "حماية جميع المواطنين واجب أساسي دون أي تمييز بين ذكر أو أنثى، أو بين الأقليات وغيرهم"، مؤكدًا التزام الدولة "بتوفير الأمن والسلامة وتهيئة بيئة آمنة للجميع". وأشار إلى أن من بين التدابير المتخذة مؤخرًا "إطلاق الهوية البصرية للسيارات، وزيادة دوريات أمن الطرق، وتفعيل عمليات الاستطلاع الجوي والحراري، في إطار تعزيز المنظومة الأمنية ورفع مستوى الجاهزية".
صدر الصورة، Getty Images
وعن تفجير المسجد في حمص، الشهر الماضي، كانت وزارة الداخلية قد قالت في بيان، إن وحدات أمنية نفذت "عملية محكمة" في محافظة حمص، أفضت إلى إلقاء القبض على أحمد عطالله الدياب وأنس الزراد، مشيرةً إلى ضبط عبوات ناسفة وأسلحة وذخائر، إضافة إلى مستندات وأدلة رقمية قالت إنها تثبت تورطهما في أعمال "إرهابية".
وكانت جماعة تطلق على نفسها اسم "سرايا أنصار السنة" قد أعلنت مسؤوليتها عن التفجير، فيما نسبت السلطات السورية الهجوم إلى تنظيم الدولة. وتُعد هذه المرة الثانية التي تعزو فيها السلطات هجوماً تبنّته هذه الجماعة إلى التنظيم، بعد تفجير استهدف كنيسة في دمشق في حزيران/يونيو الماضي وأسفر عن مقتل 25 شخصاً.
وتؤكد السلطات السورية أنها نفذت خلال الفترة الماضية أكثر من عشر عمليات أمنية ضد خلايا تابعة للتنظيم في عدة محافظات، بعضها بالتنسيق مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
صدر الصورة، EPA
تقول تالا، وهي من المتظاهرين، إنه خلال الوقفة، حاولت "مصفحة أمنية" تفريق المتظاهرين، ما أدى إلى حالات دهس وهلع وسقوط نساء وأطفال، وكانت هي بين المصابين، قبل أن يُطلق الأمن الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، ويُحاصر عشرات الأشخاص ويطلق النار فوق رؤوسهم، ويصادر هواتفهم ويَكسِر بعضها، مع تعرضهم للضرب والشتائم. كما داهم عناصر الأمن منازل مجاورة، أطلقوا النار على أحدها بسبب التصوير، وفتشوا البيوت وصادروا هواتف السكان، وفق شهادتها.
وتضيف أن المدينة تشهد حملات تفتيش و"ترهيب" منذ 2 ديسمبر/ كانون الثاني، كـ"محاولات للتخويف ورمي القنابل"، كما يكون إطلاق النار حاضراً "بشكل دائم" بالليل في الحي الذي تقطنه. بالإضافة إلى ذلك، تقول إنه هناك "محاولات مستمرة" لخطف فتيات من الطائفة العلوية، مشيرةً إلى أنها قد تعرضت هي لمحاولة خطف.
من جانبه، قال العقيد بلال الأسود، نائب قائد الأمن الداخلي لشؤون الشرطة في محافظة حمص في تصريح لـبي بي سي، إن قيادة الأمن الداخلي عملت على عدد من الإجراءات عقب الأحداث الأخيرة، "أبرزها تأمين المنطقة عبر انتشار أمني يضمن السيطرة الكاملة والحفاظ على الاستقرار".
وأضاف، أن القيادة "استمعت إلى مطالب المواطنين وتعمل على تلبية المطالب المحقّة"، مشيرًا إلى أنه "تم توقيف عدد من الأشخاص المتورطين في أعمال تخريب وإثارة نعرات طائفية".
وأوضح الأسود أن "شكاوى الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات، وكذلك التهديدات، تُستقبل في أقسام الشرطة ويتم التعامل معها بشكل قانوني ومهني". وأكد في ختام تصريحه أن الأجهزة الأمنية "تعمل حاليًا على تسيير دوريات ليلية لضبط الأمن في المدينة وردع كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن المواطنين أو ممتلكاتهم".
وتوثق تقارير حقوقية دولية اختفاء واختطاف نساء وفتيات علويات في سوريا خلال الأشهر الماضية، حيث اختفت بعضهن فجأة من الشوارع أو أثناء تنقلهن، مع مطالب خاطفين بدفع فدية مقابل إطلاق سراحهن، في نمط متكرر من الترهيب المنهجي.
المفوضية الوطنية للتحقيق بالأمم المتحدة ومنظمات مثل العفو الدولية سجلت اختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة علويات خلال 2025، تراوحت أعمارُهن بين 30 و40 عاماً، مع غياب تحقيقات من السلطات المحلية.
ودعت العفو الدولية إلى تحقيقات عاجلة ومحايدة، مؤكدة أن عدم التدخل القانوني يعزز ثقافة العنف ويقيّد حرية الحركة للنساء والفتيات العلويات في الشوارع والمدارس وأماكن العمل. كما شددت الأمم المتحدة على أن هذه الانتهاكات، بما فيها الاحتجاز دون تهم وفرض ضغوط مالية على العائلات، تمثل جزءًا من نمط أوسع من التمييز الطائفي وتفاقم هشاشة الوضع الإنساني.
في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية أن لجنة مختصة أنهت تحقيقاتها بشأن ما أُشيع عن حالات اختفاء فتيات، وأنها شكّلت فريقاً لمتابعة جميع قضايا الاختفاء دون استثناء.
صدر الصورة، EPA
تقول بسمة، وهي شاهدة أخرى من حمص: "لاحظت انتشاراً واسعاً للأسلحة بين عشائر البدو في حمص، وهم في الأساس غير تابعين لأي ميليشيات أو سلطات الأمر الواقع. لدي أيضاً أقارب معتقلين، وباختصار، تعرضنا لجميع أنواع الانتهاكات الممكنة، بما في ذلك التهديد، الترهيب، الاعتداءات الجسدية، ومحاولات الخطف".
كنت في مركز الأحوال المدنية وأردت العودة إلى حارتي في وادي الذهب، وهي حارة علوية. رغم أنني كنت محجبة، حاول سيارة تحمل لوحة تسجيل تعود لمحافظة إدلب بإجباري على الركوب معه، لكنني هربت وركبت باص نقل داخلي.
تضيف: "لا توجد أي تهمة موجهة إليّ، بينما خالي معتقل منذ ستة أشهر، وقد دفعنا 7000 دولار أمريكي مقابل إطلاق سراحه، لكنه لم يخرج حتى الآن".
وقال اثنان من سكان حمص قد تحدّثت معهم إنهما تعرضا للفصل التعسفي من أعمالهما في دوائر حكومية، مشيرين إلى أن هذا القرار جاء "دون أي مبرر قانوني واضح". وأوضحا أنهما كانا موظفين منذ سنوات في مواقع "حصرها" النظام السابق للطائفة العلوية، وأن الفصل أثر بشكل مباشر على دخلهما واستقرارهما الاقتصادي، مضيفين أن هذا الإجراء يزيد شعورهما بعدم الأمان الاجتماعي ويثير القلق لدى كثيرين من أبناء الطائفة الذين يواجهون نفس المعاملة.
وأكد الشابّان أنهما يسعيان لمتابعة حقوقهما القانونية، لكنهما يواجهان صعوبات كبيرة في الوصول إلى جهات مختصة للنظر في قضيتهما، ما يعكس ما يرونه "حالة من التمييز الاقتصادي والإداري المستمر ضد العلويين".
يظل الوضع في حمص انعكاساً لتعقيدات الواقع السوري بعد سنوات من النزاع، حيث يُواجه السكان تحدياتٍ أمنية واجتماعية مستمرة، بينما تعمل السلطات على فرض الاستقرار ومعالجة الانتهاكات.
وتشدّد المنظمات الحقوقية على أهمية التوصل إلى حلول تحفظ أمن المدنيين من جميع الطوائف والخلفيات في سوريا وتخفف من الانقسامات المجتمعية، وتضمن حماية حقوق جميع الفئات في المدينة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :