أخبار عاجلة
قطب أردوغان "الذهبي" ساعد في غسيل أموال روسية -
أسعار النفط تنخفض بعد بيانات مفاجئة -
القوات الفضائية هبطت في قطر -

الجلسة الأخيرة !!- قصة قصيرة - بقلم شريف رفعت= مونتريال

الجلسة الأخيرة !!- قصة قصيرة - بقلم شريف رفعت= مونتريال
الجلسة الأخيرة !!- قصة قصيرة - بقلم  شريف رفعت= مونتريال

اخبار العرب- كندا: تفتح السكرتيرة باب حجرة مكتبه ببطء، تقود للداخل رجلا و إمرأة ثم تغلق الباب بهدوء. يتقدمان لمكتبه، يعرفه الرجل بنفسه و بإمرأته، واضح أن الرجل ثري و مميز اجتماعيا. يطلب منهما الجلوس مرحبا بطريقة مهنية متحفظة. يبدأ الرجل فورا في الكلام:

ـ دكتور، أنا هنا بخصوص ابني فادي، عمره إثنان و عشرون سنة، في السنة النهائية بكليته. تعرف منذ عدة أشهر على إمرأة مطلقة، تكبره بستة أعوام و على غير ديننا، المرأة مستحوذة تماما على تفكيره، يمضي الساعات معها، صارحنا بأنه يحبها. هي غير مناسبة له إطلاقا. أكيد الساعات التي يقضيها معها ستؤثر على مستواه الدراسي. لا أود أن نتقاعس في هذا الموضوع حتى نراه يرتبط بها.

و كإن الأم شعرت أنها يجب أن تساهم في النقاش فقالت بانفعال:

ـ ثم أن واحدة في العشرينات مطلقة، ترى ما سبب طلاقها؟ احتمال كبير زوجها تركها لأسباب أخلاقية.

تأملهما بمهنية، واضح أنهما من الطبقة التي تحصل على ما تريد على جميع الأصعدة. سألهما:

ـ وما هو المطلوب مني بالضبط؟

يرد الرجل:

ـ أكيد الولد جرى له عملية غسيل مخ، هذه المرأة غسلت مخه كي يقع في حبها، عملت بَرْمَجة لفادي. أنا عشت فترة من حياتي في الغرب، أعرف أن عندهم ما يطلقون عليه عكس البرمجة، أنت تعرف ذلك أكيد يا دكتور "دي بروجرامينج"، عندهم أخصائيون في هذا المجال، في مصر الأمر غير معروف على نطاق واسع. لكني أرى أن طبيبا نفسيا هو الأقدر على هذا الموضوع. لذلك أتيت لك، أنا و زوجتي و قبلنا فادي نحتاج لخدماتك.

انتظر برهة كي ينظم أفكاره ثم قال:

ـ لا أرى أن ما يمر به فادي ناتج عن عملية غسيل مخ، هذه في الغالب لا يصنف تحتها تأثير فرد على فرد آخر، هذا المصطلح يستخدم أساسا في وصف تأثير طائفة لها معتقدها الديني أو مذهبها السياسي على من يودون استقطابهم، يستخدم في ذلك طرق ممنهجة و ضغوط نفسية و عقلية. حالة فادي مجرد شاب أساء التقدير و الاختيار من وجهة نظركما.

ظهر على المرأة ملامح عدم الفهم بينما انبرى الرجل:

ـ لا أود أن أدخل معك في نقاش أكاديمي، ببساطة و وضوح أريدك أن تتحدث مع فادي و تقنعه بأن علاقته بهذه المرأة خطأ، هو لا يقبل حديثي معه، قد يكون عنده حساسية من سلطتي كأب. أنت ستكون في الغالب أقدر على التعامل معه، مصاريف العلاج ليست بعائق.

@ @ @ @ @

فادي لا يشبه والده، فهو نحيل طويل أسمر، شعره غزير به تجعيدة و يتركه متمردا دون تمشيط، عيناه كبيرتان جميلتان بهما نظرة بريئة قلقة متوجسة. صافحه الطبيب مبتسما، أجلسه قبالته و بدأ يسأله أسئلة روتينية و يسجل المعلومات في صفحة أمامه. ثم في محاولة لإزالة ريبته و خلق تواصل معه بدأ يحادثه عن دراسته و اهتماماته. فادي يرد ردود مقتضبة. ثم انبرى قائلا:

ـ أبي و أمي حدثوك عن علاقتي بسالي. أرسلوني لك كي تقنعني بالابتعاد عنها، كأن علاقتي بها نوع من الجنون، أليس كذلك؟ في البداية رفضت الحضور لكن ها أنا ذا فليس هناك ما يقلقني. أنا مقتنع بما أفعل.

لأن هذا الموقف مر به مئات المرات، قال له بهدوء:

ـ لا أستطيع إجبارك على اتخاذ أي قرار، وظيفتي أن أساعدك على التفكير و أنت من يتخذ القرارات. حدثني عن سالي.

ـ كما قال لك والدي هي مطلقة و أكبر مني في السن و ديانتها مختلفة.

كان يتوقع هذا التحدي فقال له بمنتهى الهدوء:

ـ لا يعيب أي إمرأة أي من هذه الصفات، لكن انسى ما قاله لي والديك عنها، قل لي رأيك أنت فيها و في شخصيتها.

صمت فادي برهة ثم قال:

ـ هي إنسانة رائعة، في منتهى الطيبة، كأنها من عالم آخر غير واقعي، دائما متفائلة، تنظر للجانب الإيجابي في الحياة، مثقفة و معلوماتها غزيرة في مواضيع عديدة، تقوم بأعمال تطوعية في وقت فراغها، صريحة بطريقة عفوية طفولية، تخلو من الحرص الغريزي الموجود في النساء و الذي يدفعهن للمواراة و أحيانا الكذب.

أخذ صوته في الارتفاع و هو يتحدث بحماسة و عاطفة، استمر:

ـ ليست رائعة الجمال لكن ملامحها مليحة مريحة، وهي غاية في الجمال كإنسانة.

ـ فادي، سأسألك سؤالا أرجو أن تجيب عليه بصراحة، حدثني عن عيوبها، إذا كانت هناك صفة وحيدة فيها تود أن تغيرها، ما هي؟

صمت فادي برهة ثم أجاب:

ـ أعتقد أنها لا تهتم اهتماما كافيا بالشأن العام، قد لا يلاحظ رجل آخر هذه الصفة فيها، لكني و بسبب أني مشغول بالشأن و الهم العام أتمنى لو أنها تعطي هذا الموضوع بعض الاهتمام، لكني متأكد أن هذا سيأتي مع الوقت.

ـ هل تعتبر هذا نوع من الأنانية؟

ـ أنها ليست الوحيدة في البلد التي لا تهتم بالشأن العام، هناك الملايين مثلها، قد يكون جو الإحباط العام المنتشر في مجتمعنا هو السبب، لكني لا أبالي بذلك، ما يهمني أني و أنا معها أشعر بسعادة غامرة، شعور رائع قد لا تصدقني إذا قلت لك أني و أنا معها أشعر بشيء من الروحانية، أشعر بأني أقرب لله، حتى و نحن نتحدث في مواضيع تافهة لمجرد تمضية الوقت تصبح هذه المواضيع معها غاية في الجمال.

عاد لحماسته في الكلام، التعبيرات على وجهه جميلة حالمة رائعة، استمر:

ـ أنسى متاعب الحياة و أنا معها، أشعر أني شخص مهم، أشعر أنني في حلم جميل.

سرح الطبيب للحظة، مرت به موجة شجن قادمة من ماض بعيد سحيق، شعر بالتوحد و التعاطف مع مريضه. يعلم أن هذا خطأ فمن أولويات مهنته كطبيب نفسي أن يضع حاجزا مهنيا بينه و بين الحالة.

أنهى الجلسة، قال لفادي قبل أن ينصرف.

ـ سأراك بعد أسبوع، حتى ذلك الحين أريدك ان تفكر بعمق و حيادية فيما تحدثنا عنه اليوم.

@ @ @ @ @

حضر فادي الجلسة التالية، كانت نظرته حائرة، استقبله الطبيب مرحبا، قال له:

ـ أحسنت بمجيئك، بعض الحالات بعد أول جلسة لا يعودون.

ـ سالي هي من شجعتني على الحضور، أنا أحكي لها كل ما يمر بي، أدق تفاصيل حياتي و أخص مشاعري نناقشها معا، أخبرتها عن لقائنا السابق بتفاصيله، قالت لي "إذهب للجلسات التالية، إن لم تستطع علاقتنا أن تتحمل زياراتك لطبيب نفسي فالأحسن ألا تستمر."

ـ حسنا جدا، تكلمنا في الجلسة الماضية عن سالي، حدثني اليوم عن مشاعرك نحوها.

مرت ابتسامة عذبة على وجه فادي ثم قال:

ـ ببساطة أحبها، أحبها لأنها إنسانة جميلة أشعر بالسعادة و أنا معها، إنها ليست فقط حبيبة لكنها أيضا توأم روحي. كي أريحك سأقول لك ما قلته لوالدي عدة مرات، أنا لا أفكر في الارتباط بها في الوقت الحالي، كل ما يهمني أن أقضي وقتا معها، أرجو ان يتركني العالم أفعل ذلك دون أن يتدخل احد في شئوني. 

ـ أستنتج من ذلك أنها تعلم بمشاعر والديك تجاه علاقتكما.

ـ بالطبع قلت لك أني أناقش كل أموري معها،

ـ هي إذا مستمرة في علاقة مع شاب أصغر منها رغم أن هذه العلاقة تضره أسريـا.

ـ أنا من يصمم على استمرار العلاقة فلا تلقي باللوم عليها. و انا مستعد لتحدي موقف والدي الذي أراه غير منطقي.

ـ تتحدى، فَكـَر في هذه الكلمة، هل رغبتك في التحدي هي ما يجعل علاقتك بسالي مثيرة و جميلة و شاعرية، رغبتك في تحدي جميع العقبات و الانتصار عليها من أجل ما تعتقد أنه حب؟ أليس شعور التحدي شعورا جميلا.

ـ أنت تتعمد خلط الأمور أنا أتحدى لأني أحبها و ليس العكس.

ـ فلننسَ سالي لحظة، سأسألك سؤالا عاما لا علاقة له بها، ما رأيك في الحب؟

سكت فادي برهة، فوجئ بالسؤال، ثم رد ببراءة:

ـ شعور جميل، أجمل شعور شعرت به في حياتي.

ـ هل كنت تتمنى أن تحب قبل لقائك بها؟

سكت برهة أخرى ثم رد:

ـ نعم.

ـ هل تعتقد أن الشباب عموما يتمنون أن يقعوا في الحب؟

ـ نعم أعتقد هذا.

ـ ألا ترى أن الجو العام في البلد، الثقافة العامة الأدب و المسلسلات و الأغاني المنتشرة تشجع و تحض الناس على الحب؟

رد فادي بشيء من التوجس:

ـ و ما الخطأ في ذلك؟

ـ هناك إلتباس في المشاعر عند الكثير من الشباب، فهم يحبون فكرة الحب ذاتها، يقعون في غرام ـ ليس الحبيب ـ لكن المشاعر الجميلة الحالمة التي يسمعون عنها و يتغنى بها المجتمع، حتى عندما تكون هناك مشاكل في العلاقة، تراهم يستعذبون الهجر و الغيرة و السهر، هناك وهم كبير يتم التسويق له و يقع فيه المحبون.

ـ معنى ذلك أنه من وجهة نظرك أو تبعا لعلمك لا يوجد في هذا العالم حب.

ـ لم أقل ذلك، ما أعنيه أنه أحيانا يصعب التمييز بين موضوع الحب، هل هو الحبيب فعلا أم مشاعر الحب ذاتها. في الواقع لا ضرر من هذا إلا عندما تقابل الحب صعوبات.

ـ  كما في حالتي، فأنت ترى أني لا أحب سالي لكني أحب مشاعري نحوها؟

ـ تخيل لو أن في مكان سالي انسانة أخرى لها صفات مقاربة، و يا حبذا لو كانت أجمل منها، بالتأكيد كنت ستقع في حب هذه الإنسانة الأخرى.

سكت الطبيب لحظات كي يعطي فرصة لكلامه أن يؤثر على الشاب الحائر. كان هناك شيء في أعماقه شيء من ماضيه يستنكر كلامه، شيء جميل حالم مثالي منسي، رغم ذلك استمر في لعب دوره فقال لفادي بمهنية قاسية مجرمة:

ـ قل لي هل مارست الجنس معها؟

فوجئ بالسؤال، بدت عليه ملامح عدم الارتياح، أجاب:

ـ لا.

ـ هل ترغب في ممارسة الجنس معها.

تردد فادي في الرد ثم قال:

ـ نعم.

ـ هل هي أحيانا محور تخيلاتك و أحلامك الجنسية؟

ـ نعم. هل يمكن أن نغير هذا الموضوع.

لم يلتفت الطبيب لطلبه و استمر

ـ لماذا لم تصارحها إذا برغبتك؟ قلت لي في لقائنا السابق أنك لا تخفي أي شيء عنها و أن هناك تواصلا جميلا بينكما، فلماذا إذا لم تصارحها؟

ـ أخشى أن تعتبر ذلك تجاوزا مني و تغضب، هناك قيود يفرضها المجتمع بخصوص العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج.

ـ حسنا، أنت إذا تقر بأن المجتمع له نظرة معينة لبعض الأمور و أنت احترمت هذه النظرة، ألا يخبرك هذا بأن مشاعرنا و أحاسيسنا ليست مطلقة و لكنها تتشكل باعتبارات مجتمعية و أسرية معينة.

ثم قام واقفا معلنا إنتهاء الجلسة و كالمعتاد قال لفادي:

ـ حتى لقائنا القادم فكر فيما تناقشنا فيه.

أما هو فقد بذل جهدا كبيرا كي لا يفكر فيما تناقشا فيه.

@ @ @ @ @

في الجلسة التالية و التي اتضح أنها الأخيرة، حضر مع فادي والده، كان الأب سعيدا مبتسما، بينما بدى فادي ضائعا مغيبا. بدأ الأب الحديث:

ـ أشكرك يا دكتور، فادي فكر فيما تحدثتما فيه، اتفقنا على أنه سيركز في الأشهر القادمة على دراسته فقط، سيقطع علاقته بالمرأة المطلقة التي كان يقابلها، وعدني هو بذلك و أعرف أنه رجل و سيحترم وعده. إن شاء الله بعد نجاحه في آخر العام الدراسي سنذهب معا في رحلة لأوروبا.  

انتظر الطبيب أن يقول فادي شيئا لكنه ظل صامتا منكسرا متجنبا أن تلتقي عيناه بعيني الطبيب. استمر الأب:

ـ أنا و والدته نشكرك على مجهودك.

ثم أعطى للطبيب مظروفا به أتعابه و انصرف و على وجهه ابتسامة انتصار.

نزل من مكتبه، جو شهر ديسمبر يضفي على شوارع القاهرة كآبة باردة، سار في الطريق و يداه في جيبي معطفه، يحاول ألا يفكر بدون جدوى فالأفكار تحاصره، سأل نفسه هل هو طبيب نفسي ناجح؟ بل هل هو إنسان سَوي؟ لماذا تدفعه حالة واحدة تعامل معها لهذه الأسئلة المصيرية؟ أهي ذكريات الماضي البعيد التي وأدها منذ ثلاثة عقود تعود إليه تطارده كأنها تحاول الانتقام منه. لا يدري كم من الوقت سار على غير هدى، الشوارع أصبحت شبه خالية. قادته قدماه إلى كورنيش النيل، سار بحذاه لفترة ثم إنحرف لأحد الكباري، اقترب من السور، نظر لماء النيل يجري من تحته، غامقا غامضا داعيا، حملق فيه برهة، انتابه خوف من منظر الماء، أخرج الظرف الذي أعطاه له الأب و قذفه، ظل ينظر له حتى اختفى، تنهد ثم أكمل سيره، شعر بالتعب فجلس على أحد الأرائك الخشبية، مد قدميه و أغلق عينيه و لعن ضعفه، انتشرت غلالة من الضباب زادت الطريق المظلم وحشة، مازال يفكر فيها، مازال طيفها يطارده، مازال ضعفه يؤلمه، أقبل نحوه رجل و إمرأة يتأبطان ذراع بعضهما، المرأة تبدو مألوفة له، نفس القوام الجميل و نفس الغنج في خطواتها، عندما اقتربا نظر لوجهها غير مصدق، هي، ملامحها لم يؤثر فيها الزمن، نظرت له باستنكار و استمرت في سيرها و قد ازدادت إلتصاقا برفيقها كأنها تحتمي به، رفيقها الذي صُعِقَ الطبيب عندما رأى وجهه، رفيقها فادي يبتسم في ثقة و سكينة.  

@ @ @ @ @

شريف رفعت= مونتريال

refaats@sympatico.ca

 

السابق فانكـوفـر ـ كنــدا
التالى تورنتو : الأمن يقبض على 11 سائقا لدى شركات سحب السيارات بينهم ضابط !!/ تحقيق-بقلم اسمهان ملاك/ تورنتو

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws