أخبار عاجلة
ماذا يحدث داخل جسمك ودماغك عند الإغماء؟ -
Ottawa to put $13M toward projects to honour lives of MMIWG -
غدًا قرعة التصفيات الأفريقية للسلة بأوغندا -

متابعات: الساروت وسيرة مُغادري الثورة السورية، أو مغادرتها لهم

متابعات: الساروت وسيرة مُغادري الثورة السورية، أو مغادرتها لهم
متابعات: الساروت وسيرة مُغادري الثورة السورية، أو مغادرتها لهم

اخبار العرب24-كندا/ الاثنين 10 يونيو 2019 08:33 صباحاً رستم محمود/

ليس صحيحا أن الكُرد السوريين وحدهم كانوا على جفاء في نعي مُنشد الثورة السورية وأبرز شخصياتها عبد الباسط الساروت، الذي ذهب ضحية المعارك التي تدور شمال مدينة حماة السورية قبل أيام. إذ يُمكن رصد أربعة مجموعات من المكونات السورية، كانت على جفاء مُماثل مع حادثة رحيل الساروت: الكُرد وأبناء الأقليات المذهبية والدينية السورية، مع جزء من التنظيمات والشخصيات المدنية من قوى المُعارضة السورية، مُضافا إليهم عدد غير قليل من مُتبني الخيار السلمي المُطلق للثورة السورية، من أبناء المُدن والميسورين السوريين.

لم يكن هذا التموضع مُجرد تشكيل ذاتي وشخصي فحسب، بل شكل إلى حد بعيد استعارة لما عاشته وتعيشه الثورة السورية من تحولات، كان الساورت بسيرته وخياراته أبرز ممثليها والمعبرين عنها، فيما شكلت هذه القطاعات الأربعة المذكورة الجانب الآخر من تحولاتها. بمعنى ما، فإن الحادثة الأخيرة عبرت عن تلاقي ديناميكيتين متوازيتين، شغلتا الثورة السورية، واحدة مثلها الساورت، والأخرى مثلتها هذه الطبقات.

♦♦♦

في بداياتها وكامل سنتها الأولى، كانت الثورة السورية فعلا شديد العمومية، ضمت واحتضنت الأغلبية المُطلقة من السوريين المناهضين للأسدية السياسية. كانت القيم العُليا لتلك الثورة، مُتعلقة بطلب الحريات العامة والديمقراطية السياسية ومناهضة الشمولية المركزية. بقول أكثر مُباشرة، كانت الثورة شديدة التجرد والمباشرة والوضوح والعمومية، ولأجل ذلك كانت قادرة على لمّ كامل طيف السورين المُناهضين للأسدية. كان الساورت وأمثاله خلال هذه الفترة كثيري الرمزية والحضور والتعبير عن هوية الثورة تلك، بشخصياتهم وخياراتهم وشعارتهم السياسية والروحية.

آليتان للتخوين والنبذ المُتبادل شغلت، وما تزال، كامل المُنتمين الأوائل للثورة السورية

بالتقادم، ولأسباب كثيرة التركيب والتعقيد، فإن الثورة السورية خضعت لثلاثة تحولات، حدثت في أغلبها المطلق رغما وتجاوزا لرغبات المنتمين إليها، لكنها حدثت في المحصلة، وشتت طيف المنتمين هؤلاء.

فقد أصيبت الثورة بالأقلمة شديدة الاستقطاب، بين إيران وتركيا ودول الخليج العربي، وهو ما دفع كثيرون لأن يعيدوا حسابتهم، بالذات تلك المتعلقة بالانتماء المطلق للثورة السورية وخياراتها وتحولاتها.

كان الأكراد السوريون أبلغ تعبير عن ذلك، فتحول القواعد الاجتماعية الكُردية من موالاة الأحزاب السياسية الكُردية التقليدية المندرجة في الثورة السورية إلى حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب والدخول في مواجهات مسلحة كثيرة مع فصائل وقوى رافعة لخطاب وشعارات الثورة السورية، كان أساسه الإحساس بأن هذه الثورة إنما صارت تدخل في أجندة المشروع الإقليمي التركي، الذي يشكل الرعب من الحقوق الكردية، ولو بحدها الأدنى وإن خارج حدود تركيا، يشكل مركز الوعي والتفكير الاستراتيجي لهذا المشروع، منذ قرابة القرن وحتى الآن.

خلال هذه الفترة أيضا، كان عنف النظام السوري الماحق بحق المدنيين السُنة السوريين، كان قد حقق الكثير في مجال تقسيم السوريين، وشكّل لوحة سورية عمومية، بين نظام طائفي علوي وثورة سُنية الهوى والخطاب. ساعده في ذلك، التلهف الشديد من قبل التيارات والأحزاب السياسية الإسلامية السورية، بالذات جماعة الإخوان المسلمين السورية، تلهفهم للهيمنة والاستحواذ على مؤسسات وتعبيرات وتوجهات الثورة السورية، واعتبار الآخرين، قوى وشخصيات وحساسيات، اعتبارهم مجرد ملاحق وأدوات لتبرئة الذات مما صار واضحا للغاية.

كان هذا التحول الثاني عضض من همة أبناء الجماعات الدينية والمذهبية السورية المُنخرطين في الثورة. الذين انقسموا بين مغادرين لها ومتحولين إلى دفة النظام السوري، وتشكيل ثالث جمعته مساحة واحدة مع المدنيين من السُنة السوريين، حيث صاروا يعتبرون بأن الثورة إنما خُطفت منهم لصالح الإسلاميين/السُنة، مثل باقي تجارب الربيع العربي، وإن قبل نجاحها في إسقاط نظام السوري، وأنهم هم "المُلاك الحقيقيون" لهذا الثورة.

اجتمع العاملان السابقان، الأقلمة والطائفية السياسية الرهيبة، وخلقا معا موجة العُنف الرهيبة، التي حطمت سوريا، عمرانا وبشرا. بيد النظام السوري وآلته العسكرية وحلفائه الإقليميين أولا، وبيد القوى الإسلامية الراديكالية المتطرفة، أمثال داعش وجبهة النصرة ثانيا.

هذا التموضع الأخير كان شديد الاستقطاب، ما ترك أية مساحة ذات معنى للخيار بين وحشين، إما نظام الأسد أو الإسلاميين المتطرفين. مال سُكان المُدن وأبناء الطبقات الميسورة بأغلبيتهم للأسد نفسه، لأنه على الأقل يوفر لهم أنماطا من الاستقرار الأمني والحريات الاجتماعية في الحياة العامة.

♦♦♦

خلال هذه السنوات، مثلت تجربة العلاقة الوجدانية بين الساروت وأمثاله وهذه التشكيلات السورية الأربعة تعبيرا واضحا عن تلك التحولات، وإن كانت قد حدثت كلها خارج إرادة وتطلعات الطرفين.

فمن رمز وطني عمومي، شكل مع الممثلة السورية الراحلة فدوى سليمان بريقا خاصا للثورة السورية، إلى مقاتل عنيد في سبيل حماية ذويه وأبناء مدينته حمص، إلى شخص تلقى أقصى درجات الألم بعد عدة إصابات في المعارك وفقدانه لوالده وأربعة من أخواته والكثير من أصدقاءه، وفي المحصلة قائد مجموعة مسلحة من عشرات المقاتلين، موالٍ ومبايع للتنظيمات المتطرفة، أمثال جيش العزة، وقيل إنه في مرحلة ما بايع تنظيم داعش الإرهابي نفسه.

على نفس المنوال، فإن هذه التكوينات السورية الأربعة قد حدثت بداخلها تحولات شبيهة. من قوى مُندرجة في الثورة السورية بالمطلق، إلى مجموعات ذات حساسية من التأثيرات الإقليمية وحذرة من الخطابات الطائفية وشديدة الرعب من التنظيمات المتطرفة وإمكانية انتصارها، ولو كانت الجائزة إسقاط نظام الأسد نفسه. تحولت إلى تكوينات سياسية بشروط خاصة، مختلفة عن الطيف الآخر من ممثلي الثورة السورية.

لأجل ذلك، ولأن التحولين السابقين كانا باتجاهين متعارضين تماما، فإن آليتين للتخوين والنبذ المُتبادل شغلت، وما تزال، كامل المُنتمين الأوائل للثورة السورية.

دفة الذين نعوا الساروت واعتبروه بطلهم والرمز الابرز للثورة السورية، أيا كانت التحولات التي طرأت عليه وعليها، معتبرين أن مناهضة النظام السوري، كانت وستبقى معيارهم الوحيد والمطلق لقياس الأشياء، وعلى رأسها الثورة السورية، معتبرين أن الآخرين إنما خانوا ذلك المبدأ التأسيسي.

خضعت الثورة السورية لثلاثة تحولات، حدثت في رغما وتجاوزا لرغبات المنتمين إليها

الآخرون على العكس تماما، كانوا وما يزالون يتهمون المتطرفين بسرقة وتحطيم الثورة السورية، وتقديم خدمة موضوعية لاستمرار نظام الأسد، وأن الساروت وأمثاله كان شركاء في الثورة السورية بمعناها الأولي، وأنهم بالتقادم صاروا في دفة النظام، وإن كانوا يظهرون متناقضين ومتصارعين في المشهد العام.

في نفس يوم مقتل الساروت، قتل الشابان الكُرديان حنان حسين حنان وعبدالرحمن بلال شيخ أحمد بدم بارد، على الطريق الرابط بين مدينتي عفرين وراجو، على يد عناصر من التنظيمات المتطرفة للمُعارضة السورية، ودون أي سبب، فالضحيتان كانا مجرد مدنيين يعملان كبائعين متجولين، وقتلهما كان يقصد إرعاب الكُرد السوريين في منطقة عفرين فحسب.

نفس صفحات التواصل الاجتماعي التي خونت القوى السياسية والاجتماعية الكردية التي تعاملت بجفاء مع خبر مقتل عبد الباسط الساروت، خلت تماما من أي تعليق على هذا الحادث المريع.

اقرأ للكاتب أيضا: حكاية الفساد في العراق 2/2.. المؤسسات المعلولة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السابق متابعات: الدراما بين الفكاهة والخوف
التالى متابعات: الدولة الأردنية: من جوف الآلة.. وعنها

هل تتعامل كندا مع السعودية بحكمة؟

الإستفتاءات السابقة

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws