متابعات: البطريرك صفير: موت وولادة في لحظة واحدة

متابعات: البطريرك صفير: موت وولادة في لحظة واحدة
متابعات: البطريرك صفير: موت وولادة في لحظة واحدة

اخبار العرب24-كندا/ الثلاثاء 14 مايو 2019 10:57 صباحاً فارس خشّان/

عندما نزل البطريرك نصرالله صفير عن كرسي بكركي في آذار/ مارس 2011، وكان يشارف على الحادية والتسعين من سنواته، قضت طبيعة الأمور أن يتطلّع الجميع، مريدين كانوا أم معارضين، إلى خلفه.

لم تسمح سُنّة التغيير بالتوقف عند ما أنجزه البطريرك الماروني السادس والسبعون. بدا كأنه طوى نفسه ومسيرة حياته وانعزل في ركن مظلم، تاركا الأضواء للبطريرك السابع والسبعين بشارة الراعي.

ولكن "انزواءه"، حيث تفرّغ للتأمل والصلاة، لم يُتِح له أن يغيب عن الوجدان الوطني، إذ كان كثيرون، عند كل منعطف وطني، يشعرون بالفراغ الذي أحدثه.

لم يدعُ صفير إلى ثورة، ولكنّه لم يُهادن طاغية

لم يكن خطيبا مفوّها، على الرغم من لغته العربية المسبوكة في قالب سليم وسلس، ولكنّه، على رتابته في تلاوة أفكاره المدوّنة ـ عظات أو بيانات ـ كان واضحا وقويا وثابتا ورؤيويا وتغييريا.

كان يحترم المقامات، ولكنّه ما كان يخشاها.

كان يعرف موازين القوة، ولكن ثابر على الدفاع عمّا يراه حقا في وجه كل بطش.

كان يُدرك حصانة موقعه، فحوّله إلى مظلة تحمي فاقدي الحصانات، فضخّ بمن يؤمنون بما هو به يؤمن، شجاعة منقطعة النظير.

لم يدعُ إلى ثورة، ولكنّه لم يُهادن طاغية.

لم يغشّه حملة الشعارات الكبيرة التي ما رامت يوما إلا المصالح الأنانية الضيّقة، ولكنّه لم يتنازل أبدا عن مبدأ سليم.

كان خصما عنيدا لصوت المدفع، ولكن كلماته طالما بدت أكثر تأثيرا من عظيم الدوّي.

بعد ثمانية أعوام على اعتزاله عاد إلى الضوء رغما عنه، حتى بدا أن موت جسده أعاد تصحيح المسار.

أمثال البطريرك صفير، في هذا الزمن اللبناني المأزوم، يستحيل أن يُسمح للانزواء أن يلفّهم بالنسيان. يفترض أن يبقى نموذجهم ساطعا، حتى يكونوا قدوة للأجيال القيادية الجديدة.

كان يعرف موازين القوة، ولكن ثابر على الدفاع عمّا يراه حقا في وجه كل بطش

ما قدّمه صفير لما يسمّى لبنانيا بالاستقلال الثاني، في إشارة إلى الانسحاب العسكري السوري، يحتاجه اللبنانيون اليوم ليتمكّنوا من بناء دولتهم.

يوم وقف داعيا إلى تحرير الإرادة فالأرض، لم يكن يجاري تيارا قويا، بل خلق هذا التيّار، وجذب إليه من يؤمن بذلك، فكانت المصالحات وكانت التجمعات السياسية السيادية وكان الحوار الوطني الذي جمع الكبار بعيدا عن الطاولات الدعائية الفارغة، فتقاربت بكركي وقريطم، حيث بدأ الرئيس رفيق الحريري رحلة "الخروج من الشرنقة"، ورعت بكركي مع المختارة، حيث أطلق وليد جنبلاط "مسار اللبننة"، مصالحة الجبل التي دفعت الوصي وعملائه إلى التكشير عن نيوبهم الأمنية الصدئة.

واليوم، مع انتهاء عمر البطريرك صفير، يتسلّط الضوء على الحاجة الملحّة والماسة إلى من يمكن أن يسير على دربه، فيشق طريقا مماثلا لضخ الروح في تيار خامد استكمالا للتحرر. فالدولة تعاني من دويلة استبدلت طغيانا سوريا بوصاية "أجندة إيرانية"، وبرز بوضوح أن من خضع لهذه الدويلة استبدل النضال الواجب بمنافع سلطوية أنتجت فسادا غير مسبوق وبطانة غير مقبولة وأدبيات تعظّم الخنوع.

مع انتهاء عمر البطريرك صفير، يتسلّط الضوء على الحاجة الملحّة والماسة إلى من يمكن أن يسير على دربه

حاليا، وبالتدقيق بالمواقف التي صدرت وتصدر بمناسبة وفاته، يتبيّن أن البطريرك صفير يتمتّع باحترام جامع، فليس المهم أن يجذب الشخص من يحبّه في حياته، بل أن يكون محط احترام الجميع لمسيرته وأعماله وإنجازاته.

والجميع، في مواقفهم من صفير، لا يتوقفون عند ما قدّمهم لهم شخصيا أو لطوائفهم، بل عند ما قدّمه لوطنه مما كان وطنه يحتاجه، أي التحرر والحرية.

وهذه ليست مواقف رثاء جنائزية، بل هي مواقف تشي بما يعتمل في القلوب.

ذلك إنّه، لا يُعقل أن تُشيد بمن أنت مدرك أنك ضده، أو أن تقول تقريظا بما ترفضه، أو أن تدعو إلى الاقتداء بمن أنت تناقضه، إلا إذا كنت ممن يحبّون أن يتصفوا بالكذب والخبث والازدواجية.

مات البطريرك صفير، ووُلِد... نموذجه.

اقرأ للكاتب أيضا: واشنطن ـ طهران و...الحرب!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السابق متابعات: العراق: أوهام الحياد بين واشنطن وطهران
التالى متابعات: البطريرك صفير: موت وولادة في لحظة واحدة

هل تتعامل كندا مع السعودية بحكمة؟

الإستفتاءات السابقة

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws