أخبار عاجلة
جهاز متطور سيعيد هواوي إلى المنافسة من جديد -

متابعات: "صفقة القرن" وسوء فهم مزمن بين العرب والعالم

متابعات: "صفقة القرن" وسوء فهم مزمن بين العرب والعالم
متابعات: "صفقة القرن" وسوء فهم مزمن بين العرب والعالم

اخبار العرب24-كندا/ الأربعاء 12 فبراير 2020 09:30 صباحاً د. عماد بوظو/

قدم الموقف العربي من صفقة القرن مثالا جديدا على أن العرب يتعاملون مع قضاياهم بطريقة تختلف عن بقية العالم. الدولة في العالم المعاصر تقوم ابتداء من وحدتها الأساسية المكوّنة لها وهي المواطن الفرد، وواجب المنظومة السياسية التي تدير الدولة تقديم أساسيات الحياة من غذاء وسكن وأمن ورعاية صحية وتعليم وكافة الخدمات بما فيها وسائل الترفيه لهذا المواطن. ويعبّر الأفراد عن رضاهم أو تذمّرهم من سياسات حكوماتهم في الانتخابات الدورية التي تدور حملاتها حول هذه القضايا المعيشية، بينما تأتي القضايا الوطنية بما فيها مواجهة التهديدات الخارجية في المرتبة الثانية.

وهذا يشمل حتى المناطق التي شهدت صراعات على خلفيات قومية أو طائفية، فإيرلندا الشمالية مثلا التي كانت لعقود طويلة ساحة حرب دموية بين الكاثوليك الإيرلنديين والبروتستانت البريطانيين، تحوّلت خلال عقدين فقط بعد توقيع اتفاق سلام عام 1998 تخلى فيه الإيرلنديون عن مطلبهم بالاستقلال عن بريطانيا إلى مركز لتقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتسارعت زيادة الرواتب فيها لأرقام قياسية بحيث أصبحت مقصدا للباحثين عن حياة أفضل.

وفي إقليم كتالونيا الذي يطالب بالاستقلال عن إسبانيا يناقش الكتالونيون مطلبهم الوطني المحق آخذين بعين الاعتبار انعكاس الانفصال على حياتهم اليومية، ويقف بعضهم ضد الانفصال لسبب قد يبدو غريبا عند أصحاب الشعارات الوطنية وهو عدم إمكانية فريق برشلونة لكرة القدم اللعب بالدوري الإسباني إذا استقلّ الإقليم.

لا يحاسب القادة على ما يترتب على قراراتهم من نتائج كارثية

وضمن نفس الأولويات يناقش سكان اسكتلندا استقلالهم عن بريطانيا، ومع أن لهذه الصراعات تاريخ دموي طويل أقدم بكثير من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكن حسب الثقافة الغربية يجب أن يكون الهدف من أي قرار يتم اتخاذه تحسين ظروف حياة المواطن.

وضمن طريقة التفكير الغربية هذه رأى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن خطة السلام التي عرضها مؤخرا فرصة للشعب الفلسطيني يجب أن يغتنمها لأنها تعده بحياة أفضل وتمنح أطفاله ما يستحقونه من أمان وغذاء وسكن وخدمات تعليمية وصحية بدل انتظار مساعدات الدول المانحة، واعتقد بأن لهذه الأمور الحياتية الأولوية عند أي حكومة أو سلطة فلسطينية.

ولكن في الجانب الفلسطيني وحسب الثقافة العربية السائدة، لا قيمة للفرد ولا لمعاناته وظروف حياته البائسة أمام مفاهيم مجردة مثل الوطن أو الطائفة، ففي سبيل هذه المفاهيم تهون التضحية بالأفراد.

ظهر ذلك في طريقة تعبير شريحة واسعة من الفلسطينيين عن رفضهم لما اصطلح على تسميته شعبيا بـ "صفقة القرن"، حيث رفع العلمانيون صور علم فلسطين ورفع الإسلاميون صور المسجد الأقصى، وفي الثقافة العربية هذه ليست مجرد رموز تستخدمها مجموعة من البشر لتمييز نفسها عن سواها، بل هي رموز مقدسة أكثر أهمية بكثير من الأفراد المنضوين تحتها، والواجب الطبيعي على الأجيال الفلسطينية حسب هذه الثقافة أن تموت وتعاني إلى ما شاء الله حتى يبقى علمها مرفوعا أو حتى لا "يدنّس" الغرباء مقدساتها.

كما أن الكلمة في الثقافة العربية أكثر أهمية من الفكرة أو الموضوع، والعبارة هي التي تشكّل الموقف وتدفع باتجاه اتخاذ قرار معين؛ فـ"العربي" مثلا قد يقتل ابنته من أجل كلمة "العار" أو "الفضيحة"، وتعطي هذه اللغة لرافضي صفقة القرن كل ما يحتاجون إليه من الجمل المنمّقة والعبارات الخطابية ليستخدموها في الرد عليها، مثل "القدس ليست للبيع"، أو "لا لدولة منقوصة السيادة" بالإضافة لللاءات التي يكررها العرب منذ سبعة عقود دون تغيير "لا للاستسلام ولا للمسّ بالثوابت الوطنية ولا لتصفية القضية الفلسطينية".

من الصعب على من يعيش في عالم الشعارات أن يقبل بالحلول السياسية

ولكن الإيمان بهذه العبارات الجذابة يصطدم بحقائق مختلفة على الأرض، فالهجرة وترك هذا الوطن "المقدّس" إلى عالم جديد يقدم له حياة كريمة هي أولى أحلام الشباب العربي. كذلك فإن من أكبر مخاوف عرب 1948 أن يتم إلحاقهم بالدولة الفلسطينية المقترحة، وذلك ليس فقط لأن دخل فلسطيني الجليل مثلا أكبر بعشر مرات من دخل فلسطيني غزة، بل لأن كرامة فلسطيني الجليل مصانة أكثر من كرامة نظيره ابن غزة، رغم أنه حسب عالم الشعارات فإن سكان غزة محكومون من قبل أبناء جلدتهم وبالتالي يجب أن يكونوا أعزاء في بلدهم، ولكن الواقع غير ذلك نتيجة انعدام الحرية السياسية والثقافية والاجتماعية في غزة كما هو الحال في بقية بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، ولا أحد يعرف كيف يكون الوطن عزيزا إذا كانت كرامة أبنائه ممتهنة من قبل حكامه.

وكذلك من الصعب على من يعيش في عالم الشعارات أن يقبل بالحلول السياسية لأنها تعني نيل بعض المطالب والتنازل عن أخرى. فعند توفّر رغبة حقيقية في السلام وتقدير انعكاساته الإيجابية على حياة أبناء البلد، لن يستطيع خلاف على بضعة أمتار من الأرض إفساده. لكن الذين يستخدمون عبارات إنشائية من نوع "لا تنازل عن ذرة من تراب الوطن"، يقطعون الطريق على أي مبادرة تقود إلى حلول واقعية، كما أن المقتنعين بأهمية السلام يعرفون أنه لا بديل عن المفاوضات التي يطرح فيها كل طرف مطالبه، بينما يقول دعاة "الممانعة" إن أي لقاء أو مصافحة بين إسرائيلي وعربي هو تطبيع مرفوض مع "العدو الصهيوني"، ففي عالم الشعارات لا وجود للحلول الوسط.

وفي مناخ المزاودات لا يطلب من القيادات الفلسطينية أن تقدم بديلا عن المبادرات التي ترفضها، بل يكفيها أن تكرر ما فعله أسلافها بدعوة الجامعة العربية والأمم المتحدة لاجتماعات عاجلة والاتصال بالدول الشقيقة والصديقة والتي يقل عددها باستمرار وإصدار بيانات شجب واستنكار ليس لها أي قيمة أو انعكاس على الأرض، وكذلك لا يحاسب القادة على ما يترتب على قراراتهم من نتائج كارثية طالما أنها كانت منسجمة مع الخطابات الحماسية المعتادة.

فلم يدع أحد إلى محاسبة أو حتى انتقاد الزعماء الذين رفضوا قرار التقسيم في أربعينيات القرن الماضي أو قرار 242 بعد حرب 1967، رغم أن كثيرين من الفلسطينيين اليوم يعتبرون أن هذا الرفض كان خاطئا، بل ينظر إلى هؤلاء القادة كأبطال في الذاكرة الجمعية الفلسطينية.

يجد الكثيرون صعوبة في فهم المواقف الفلسطينية التي تتكرر بدون تعديل منذ أكثر من سبعة عقود

وهذه الذاكرة ترى أن الديكتاتوريين العرب كصدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد أبطال لأنهم كانوا يرددون نفس منظومة الشعارات هذه، رغم أنهم هذا الشعارات بقيت حبرا لا قيمة له تتجاوز قيمة الورق الذي سال عليه؛ هذا بالإضافة إلى أن الفلسطينيين والعرب يدركون أن حجم جرائم هؤلاء (صدام والقذافي والأسد) بحق شعوبهم وحتى بحق الفلسطينيين كان كبيرا.

وفي نفس الوقت يعتبر هذا العقل الجمعي أن من اتخذ مواقف بعيدة النظر مثل الرئيسين الحبيب بورقيبة وأنور السادات خونة مع أنهم بذلوا كل ما في استطاعتهم من أجل إقناع الفلسطينيين وبقية العرب بعدم تفويت فرص السلام.

والأهم من كل ذلك أنه مع غياب الديمقراطية ليس بالإمكان معرفة الرأي الحقيقي للإنسان الفلسطيني في الضفة وغزة المعني الحقيقي بصفقة القرن، فتهم الخيانة والعمالة جاهزة لكل من يريد حياة أفضل لأطفاله، والسلطات الفلسطينية لا تمسك بالسلطة حسب آليات ديمقراطية، ولذلك فإن الخيار الأسهل والأقل مخاطرة بالنسبة لها هو رفض المبادرات السياسية لأنها تخشى على سلطتها من تجّار الشعارات الشعبوية إذا قامت بخطوات جريئة باتجاه السلام، رغم معرفتها بأنها لا تستطيع القيام برد فعل مؤثر إذا ما اعتبرت إسرائيل مثلا أن المناطق التي منحتها لها "صفقة القرن" قد أصبحت تابعة لها وبدأت فعلا بالبناء وتوسيع الاستيطان فيها دون أن تقوم بالمقابل بإخلاء المناطق التي من المفروض أن تذهب للفلسطينيين ضمن عملية تبادل الأراضي.

لذلك يجد الكثيرون في الغرب صعوبة في فهم المواقف الفلسطينية التي تتكرر بدون تعديل منذ أكثر من سبعة عقود خصوصا أن الفلسطينيين يتوقعون في كل مرة أن يحصلوا على نتائج مختلفة بإتباع نفس الأساليب القديمة.

اقرأ للكاتب أيضا: الجهاد، الفريضة المزعومة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السابق متابعات: دَين لا بد من تسديده: الحقوق المالية للأفارقة الأميركيين
التالى متابعات: خيارات تركيا للضغط على روسيا في إدلب محدودة
 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws