أخبار عاجلة
الكشف عن سبب جديد لظهور الإنسان -
نواب ليبيا يتفقون في القاهرة.. والجيش يرحب -

متابعات: "زكام" الولايات المتحدة و"حمى" العالم

متابعات: "زكام" الولايات المتحدة و"حمى" العالم
متابعات: "زكام" الولايات المتحدة و"حمى" العالم

اخبار العرب24-كندا/ الأربعاء 9 أكتوبر 2019 08:23 صباحاً حسن منيمنة/

إذن، الرئيس دونالد ترامب، في استعادة لمواقف كان قد اتخذها ثم تراجع عنها لحين، قرّر الانسحاب من الشمال الشرقي السوري، تاركا المنطقة عرضة لمواجهة خطيرة بين طرفين يفترض أن كل منهما في صفّ الولايات المتحدة، مثيرا الريبة والقلق في أوساط الحلفاء، والسعادة والشماتة لدى الخصوم. لا مفاجأة هنا، إذ رغم أن قرار الانسحاب قد صدر بين ليلة وضحاها، فإن الرغبة بالانطواء ليست وليدة الساعة.

المزاج القائم اليوم يقترب من الإجماع داخل الولايات المتحدة وخارجها بأن الأوان قد آن لانكفاء أميركي من دور المسؤولية عن الأمن العالمي. بل حتى من يدعو إلى متابعة هذا الدور، يقدّم طرحه على أنه من باب الدعوة إلى تنظيم التراجع وإدارته.

المعضلة في هذه المواقف هي أنه لا بديل عن الولايات المتحدة للمحافظة على حد أدنى من المرجعية المبدئية القادرة. إذ رغم الإشباع بالحديث عن مشروعية دولية، فإن النظام العالمي لا يتضمن آلية لتحقيقها. وخروج الولايات المتحدة لا يشكل إتاحة المجال لاجتماع قوى "الخير" من روسيا والصين وتركيا وإيران وسائر دول الاستبداد للتوافق على إطار "عادل" لضمان مصالح الإنسانية، بل هو فرصة وحسب لنظم الطغيان هذه لفرض جبروتها دون إمكانية المساءلة.

هذا الزكام الأميركي قد انتقلت عدواه حمى إلى النظام العالمي الذي تغيب عنه عوامل المناعة المتوفرة أميركيا

ليس اليوم ثمة من يجاهر بتأييد الطرح المقابل، والقائل إنه على الولايات المتحدة أن تحافظ على موقعها ومسؤولياتها كقوة عظمى وحيدة وأن تتصرف انطلاقا من الموازنة بين المصالح والقناعة بوجوب تحقيق حقوق الإنسان وتمكين القيم العالمية والدفاع عنها.

فالإفراط في "تنزيه" هذا الطرح في المرحلة الماضية جعل منه أقرب إلى الدعوة للعمل الخيري والتضحية بالنفس. كان أولى بالقيادات السياسية في الولايات المتحدة أن تبرز أن هذا الطرح، رغم تحفيزه لإحقاق الحقوق والقيم، هو الأقرب إلى المصلحة المادية الموضوعية للمواطن والمجتمع الأميركيين. ثمن الاستبداد والظلم والفوضى في الخارج أكبر بكثير ممّا على الولايات المتحدة أن تبذله للوقاية من أحوال الانفلات، وإن كانت كلفة الوقاية آنية ونجاحها يخفي الأثمان الباهظة لما دونها.

ما تفعله الصين في تركستان الشرقية وفي هونغ كونغ نموذج واضح على هذا المستقبل القاتم لعالم تتخلى في الولايات المتحدة عن مسؤولياتها. حيث الأضواء مسلطة والنشاط علني وواضح للعيان، تتصرف السلطات الصينية ببعض الحذر، وتستحصل ما استطاعت على الدعم لحقّها السيادي في القمع.

أما حيث الأضواء خافتة، أي لدى الأويغور، فالتعسف والظلم والأحكام بالسجن المطول لمجرد الالتزام الديني هي القاعدة، مع تصفيق مخزي من حكام دول تكبّل مجتمعاتها باسم الدين نفسه.

العالم دون هيبة معنوية ومادية للولايات المتحدة هو تركستانات عتيدة. وما من شأنه أن يعترض هذا المستقبل هو أن تبقى الولايات المتحدة نفسها وفية لصورتها الذاتية على أن القيم لا المصالح فقط هي ما يجعل منها حالة على حدة. للأسف، الولايات المتحدة تعاني في هذا الشأن من "الزكام"، مع انجرار بعض قياداتها السياسية والفكرية بعيدا عن هذه المعادلة.

ليس دونالد ترامب، أول من اعتنق شعار "أميركا أولا" وطالب بالانتهاء من دور بلاده كشرطي العالم، بل إن الرئيس الحالي يتابع في مواقفه ما كان قد التزمه سلفه الرئيس السابق باراك أوباما في تصريحاته وسياساته.

وأوباما بدوره، كان ساير وحسب التوجه الشعبي الواسع النطاق في بلاده، والذي كانت قد أنهكته حروب الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش. أوباما انتقل ممّا بدا على أنه إفراط من جانب بوش في التدخل الخارجي إلى التفريط بمواقع الولايات المتحدة في أرجاء العالم، والانسحاب العملي من المعارك في خضم وقوعها، مفسحا المجال، لاعتبارات محض داخلية، أمام استفحال "تنظيم الدولة" في العراق، واستباحة النظام القاتل في دمشق لمواطنيه في سعيه إلى قمع الثورة، وصولا إلى الهجرة الجامحة وتصاعد اليمين العدائي في عموم الغرب.

مكانة الولايات المتحدة في العالم تتراجع نتيجة لتتالي سمات سلبية لدى رؤسائها، من ارتباك الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش وعدم توضيحه لسياساته، ما أفسح المجال أمام إساءة الظن بتصويرها، مرورا بالجبن لدى أوباما، ووصولا إلى الفجاجة لدى ترامب.

العالم دون هيبة معنوية ومادية للولايات المتحدة هو تركستانات عتيدة

الفارق الأساسي بين ترامب وأوباما هو أن أوباما عمل على بالانسحاب والتخلي عن المسؤوليات، مع المحافظة على خطاب منافق حول استثنائية بلاده وأخلاقية توجهاتها، بالتوازي مع الإصرار العلني على الانكفاء ورغم التعارض معه، فيما ترامب ثابر ولا يزال على منطق الخروج والإهمال، إنما مع المجاهرة بعدم الاكتراث بالاعتبارات المعنوية في حال لم تنسجم مع المصالح الملموسة.

ليس في هذا التمييز مفاضلة بين أوباما وترامب، بل المتابعة الموضوعية تفيد، رغم الاختلاف في الشخصية بين الفصاحة المتملقة والفظاظة المستأسدة، أن ما يفرّق الرجلين من سمات خطابية عرضي وما يجمعهما من مواقف سياسية جوهري.

في أحد مسلسلات الثنائي السوري دريد لحام ونهاد قلعي، يزور غوّار الطوشة صديقه حسني القابع في السجن، ويعلمه أنه كان بودّه أن يجلب له بعض الفاكهة. يشكره حسني لطيب نواياه، مشيرا أنه لا ضرورة لذلك. فيعترض غوّار باستهجان رافعا عقيرته مؤكدا أن الواجب والشهامة يقتضيان ذلك، فيما حسني يتابع الثناء والشكر لمكارم أخلاقه. طبعا لا غوّار جاء بالفاكهة، ولا حسني أكلها.

وهكذا فعل الرئيس السابق باراك أوباما يوم أقدم نظام دمشق على استعمال السلاح الفتاك متجاوزا الخطوط الحمراء التي كان سيد البيت الأبيض قد رسمها بنفسه. بعد مناورات أعفته من وجوب الردّ، أتحف أوباما الجمهورين المحلي والعالمي بخطاب مهيب حول استثنائية بلاده والتي تؤطرها القيم والأخلاق، ما استدعى اعتبار الرد على الجريمة. على أن باراك الطوشة بدوره، لم يأتِ بالفاكهة.

وإذ يصرّ الرئيس الحالي للولايات المتحدة ويؤكد جهارا أن الفاكهة هي حصرا لأهل البيت، فإن النتيجة واحدة. الولايات المتحدة تمعن بالتخلي عن دورها العالمي.

ثمة مفارقة، نابعة من الطبيعة العقائدية لبعض القراءات في المحيط العربي. ففي حين أن الولايات المتحدة منغمسة حتى هامتها في مسعى التنصل من العالم، فإن البعض في الوسط السياسي العربي، انطلاقا من اعتبارات فكرية تم تجميدها على ما كانت عليه قبل عقود، يجتهد في تفنيد عبثي لطموحات واشنطن التوسعية ومشاريعها الاستعمارية وبحثها المزعوم عن إيجاد المزيد من المواطئ لقواعدها.

وإذا بينت الوقائع خلاف ذلك، فالأمر يعاد إلى قدرة محاور المقاومة والممانعة على دحر الأطماع المفترضة للولايات المتحدة. هو منطق محصّن، تغذّيه جهود إعلامية من أطراف تستفيد من التعبئة التي يحققها، ولكنه عقيم في بعده عن واقع الحال.

إذ بغضّ النظر عن التصويرات الغاطسة بالمغالطات والتي تتوهم كشف النقاب عن مؤامرات أميركية لاحتلال العالم، فإن لسان حال الولايات المتحدة المستهلكة بالشعبوية هو في كيفية إرضاء جمهور مقتنع بأن تواجد الولايات المتحدة في الخارج هو فعل خير وصدقة لم يعد يريده. فالخلاف بين التوجهات السياسية هي حول السبيل للإسراع بالانسحاب من العالم.

ولا شك أن سجل تدخلات الولايات المتحدة في أرجاء العالم ليس أحادي الطابع، بل مليء بالأخطاء والتجاوزات والفرص الضائعة. وإذا كانت ثمة مبالغة أكيدة في اعتبار أن الولايات المتحدة قادرة على إحقاق الحق، أو راغبة به، في كل حالة، فإن الشق المقابل، والذي يرى في أية خطوة تقدم عليها واشنطن شرّا أصيلا عن عمد، أو طارئا عن غفلة، يشطح بدوره بعيدا عن الواقع.

في العقود القليلة الماضية، الولايات المتحدة تدخلت لإنقاذ الكويت، وحسنا فعلت، وتدخلت لإنقاذ كوسوفو، وحسنا فعلت، ولم تتدخل لمنع المجازر في رواندا، وليتها فعلت، وانطلاقا من حسابات متهمة على أقل تقدير بأنها انضوت على إفراط في تقدير المخاطر، أقدمت على حرب في أفغانستان وأخرى في العراق. وإذ لا بد من مراجعة ذاتية لتحديد المسؤوليات المادية والمعنوية هنا وهنالك، فإن ضباب المعارك لا يزال يعترض التقييم الموضوعي القادر على فرز النوايا والأخطاء.

قد تكون المسؤولية مشتركة بين الولايات المتحدة والحركة الجهادية العالمية لمئات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا جرّاء هذه الحروب، على أن الإصرار داخل الولايات المتحدة على الانكفاء والانتهاء من هذه الحروب معني أولا بمن يسقط في هذه المواجهات من الأميركيين. فأوباما الذي نال جائزة نوبل للسلام في مطلع عهده تسليفا لتوجهاته الهادفة إلى إنهاء الحروب، ضاعف من الهجمات بالطائرات المسيرة في اليمن. فهذه، وإن كان أعداد ضحاياها العرضيين من أهل البلاد مضاعفا، لا تعرّض الجنود الأميركيين لخطر الموت.

في العقود القليلة الماضية، الولايات المتحدة تدخلت لإنقاذ الكويت، وحسنا فعلت

فلا الدعوة إلى الانخراط بدور عالمي للولايات المتحدة تزعم لها مسؤولية من باب الملائكية صائبة، ولا العمل على الانكفاء هو تراجع عن شيطانية أميركية في مرحلة التدخل. كلا الموقفين محكوم باعتبارات المصالح، فالأول ينطلق من أن المصلحة الطويلة الأمد للولايات المتحدة تتحقق بعالم أكثر استقرارا وأكثر عدالة، فيما الثاني يتجاوب مع الحاجة الآنية للناخب غير المعني بالمدى البعيد تحت شعار اليأس من إمكانية التوفيق بين المصلحة والقيم.

والأرجح في مستقبل قريب أن تتمكن الولايات المتحدة من تجاوز "زكامها" في انجرار خطابها إلى ما يستثني القيم من الاعتبار، ولكن هذا الزكام الأميركي قد انتقلت عدواه حمى إلى النظام العالمي الذي تغيب عنه عوامل المناعة المتوفرة أميركيا. على أمل أن ينتهي الزكام قبل أن تفتك الحمى بالمريض.

اقرأ للكاتب أيضا: أسلافنا اليونان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السابق متابعات: الإسلام السياسي: في نقد أولويات الخطاب الدعوي
التالى متابعات: البغدادي على خطى بن لادن والظواهري

هل تتعامل كندا مع السعودية بحكمة؟

الإستفتاءات السابقة

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws