أخبار عاجلة
What Quebec wants from a Liberal minority government and a resurgent Bloc -
تركيا.. إقالة 4 رؤساء بلديات مؤيدين للأكراد -
Trudeau's to-do list: calm rising regional tensions, heal rifts with premiers -

متابعات: أسلافنا اليونان

متابعات: أسلافنا اليونان
متابعات: أسلافنا اليونان

اخبار العرب24-كندا/ الأربعاء 2 أكتوبر 2019 09:42 صباحاً حسن منيمنة/

السردية الحضارية الأوروبية، سواء تلك المنفتحة على العالم والتي حضنت الأنوار وانتقلت بها خيراً وشراً إلى سائر العالم، أو تلك التي تتقوقع بمجموعها أو بأجزائها لتنتج القوميات والشعبويات والعدائيات، تتفق على الأصل "اليوناني" للهوية الأوروبية الجامعة.

بعض التصويرات في هذا الشأن مبنية على الأبوة اليونانية المعنوية للإمبراطورية الرومانية، في الصورة الذاتية لهذه الأخيرة، وهي كانت ولا تزال النموذج والقدوة في السعي إلى تأطير كيانية أوروبية مشتركة، ولا سيما مع وراثة الكنيسة الكاثوليكية لامتدادها المكاني والسكاني.

وبعضها الآخر يعتمد على اللسان اليوناني لمسيحية العهد الجديد، والتي تشكل اللبنة الأولى في الصرح الحضاري التاريخي الأوروبي المتواصل، والمنقطع عمدا قبل عصر النهضة في القرن الخامس عشر، عن ماضيه السابق للمسيحية.

كبار الفلاسفة اليونانيين كانوا السلف الصريح لحكماء العالم الإسلامي

ومن باب هذه النهضة، وبناءً على مساهمة إسلامية ويهودية وصلت بعض ما كان قد قُطع، دخل النتاج الحضاري اليوناني السابق للمسيحية إلى واجهة الاهتمام الأوروبي، ليقدّم مرجعية غير دينية لجأ إليها الفكر المتمرد في عموم القارة، ولا سيما بعد إخماد محاولاته لإشهار الأطر البديلة، من بوغوميل البلقان إلى كاثار الجنوب الفرنسي، والأديان الأولى التي هزمت وطمست عند أطراف القارة.

"أثينا" الفلسفة والديمقراطية في الفكر الأوروبي، المهذّبة والمشذّبة والطالبة للحكمة، كانت طبعاً غير أثينا المدينة المهمّشة الرازحة تحت الجبروت العثماني، والتي كانت منذ قرون عدة قد خلعت ذكرى إرثها القديم مستعيضة عنه بالمسيحية الشاخصة باتجاه الأرض المقدسة بعيداً عن الماضي اليوناني القديم.

وإذا كانت المواجهة مع السلطات الكنسية في صلب أوروبا قد تطلّبت استدعاء الحضارة اليونانية القديمة، فإن الثورة على العثمانيين في يونان القرن التاسع عشر ازدادت زخما في الاستنصار بالدول الأوروبية ليس على اساس الرابطة الدينية وحسب، بل وفاءاً لهذا الأصل الحضاري المشترك.

الهوية اليونانية المعاصرة نشأت بفعل إحياء لتاريخ وحضارة كانا طي النسيان، بأشكال تنسجم مع الحاجة الآنية. هي المعادلة التي تكررت على مدى القرن التاسع عشر، عصر الحفريات التي أنجبت القوميات، وعصر تدمير الشرائح والطبقات التي تعترض زعم التواصل بين الأصل المبتغى والحاضر القائم.

حق يونانيي اليوم أن يصيغوا هويتهم كما يشاؤون، وإن كان في قطيعتهم مع الحضارة القديمة وشراكتهم التاريخية مع جوارهم ما يجعل منهم أقرب للمشرق منهم لأوروبا، وحق الأوروبيين كذلك، بعض طول استثمار بتفحّص الحضارة اليونانية القديمة وتشرّب مقوماتها، أن يعلنوها أصلا وأساسا لهم.

ما لا يستقيم، هو زعم الحصرية في العلاقة بين الحضارة اليونانية وأوروبا، والذي أتى ولا يزال ضمنيا في الصيغ المنفتحة للفكر الأوروبي، فيما يأخذ لهجة استعلائية لدى من يرى في التفوق الحضاري صفة ملازمة للأوروبيين.

التجاذب الذي حصل في القرن التاسع عشر، خلال تشكّل الرؤى الحداثية للأصول الحضارية "القومية" لم يقتصر على استيلاء أوروبي على الحضارة اليونانية القديمة، بل شهد تخليا مقابلا، ومساعدا لهذا الاستيلاء، من جانب الساعين إلى رفع اعتبار الحضارة العربية الإسلامية، والتشديد على خصوصيتها وأصالتها، فكان الحديث المناسب للطرفين حول "الشرق" و "الغرب" والبحث عن مواطن الاختلاف العضوي بينهما. فمن منظور "غربي"، جوهر "الشرق" الاستبداد والعبودية للسلطة والدين، فيما "الغرب" موطن الحرية والعدالة، أما المقابل "شرقاً" فهو أن "الغرب" مرتع المادية والإباحية، فيما قيم "الشرق" هي الروحانية والتقوى.

ليس أن هذه الأوصاف الذاتية والغيرية خالية من الصحة، ولكن طرحها على أساس مواجهة مفترضة بين جوهرين للشرق والغرب يخفي أن الصراع الأعتى، في كل من السياقين، هو في الداخل، لا إزاء الخارج.

فالغرب لم يتحرر قط من خطر الاستبداد، ولا يمكن قط اعتبار النازية والشيوعية ظواهر عرضية، في حين أنها رسمت معالم الشر على مدى القرن الماضي. وليس ما يحتّم أو يضمن أن الشعبوية التي تعود للبزوغ، والسلطوية التي تهدد أقوى قلاع الأنوار اليوم، مجرد آفات عابرة.

في الغرب طبعاً جرى تأطير الحرية والعدالة، ولكن لا هذه ولا تلك تهيأت فيه بالكامل، ولا هذه ولا تلك مضمونة له في مستقبله.

في المقابل، لم يكن "الشرق" يوما حكرا على الروحانية والتقوى، بل التوجهات المادية و "الإباحية"، أي رفض التسليم للأقدار والرضوخ لسلطان الدين، أو عدم الانصياع لتكبيل المرأة وتطفيلها وتشييئها، كانت على مدى تاريخه في صلب حياته بفعل العامة من نسائه ورجاله وإن سعت النخبة إلى تصويره على خلاف ذلك.

ثمة حاجة إلى استعادة ذكرى التواصل اليوناني الإسلامي

بل الضربة القاضية على مقولة الضدّين، الشرق والغرب اللذين لا يلتقيان، لإدراك أن تشابههما ينفي الحدود القطعية بينهما، هي في نفض الغبار عن أن هذه الحضارة، أي العربية الإسلامية على ما في الصفتين من اختزال مجحف، هي الوليدة الشرعية للحضارة اليونانية القديمة، دون زعم للحصرية ولكن مع التشديد على أصالة العلاقة.

رغم أن الإسلام السلطاني، كما المسيحية السلطانية قبله، سعى إلى تحقيق قطيعة معرفية كاملة مع الموروث التاريخي والفكري والروحي لما قبله، فإن ثلاثة أوجه تكفي لتبيان التواصل بين السلف اليوناني والخلف الإسلامي، يمكن إدراجها من الأعلى النخبوي إلى الأسفل العامي.

الوجه الأول، هو أنه فيما يتعدى النص القرآني المؤسس للإسلام، فإن كافة العلوم الإسلامية، الدينية والمعاضدة، من الصرف والنحو إلى الكلام وأصول الدين، قد بنت على ما أرسته المراحل اليونانية السابقة، أي بتعريف اليوم الهلينية والهلينستية والبيزنطية، من قواعد وأصول، بل كرّرت ما أقدمت عليه المرحلة البيزنطية المسيحية من استيعاب للمضمون مع تورية بالشكل من خلال الاعتماد على مرجعية الكتاب المقدس لتفاصيل التاريخ المتخيل.

أما الوجه الثاني، فهو في أن المواجهة والصراع بين الفرق والملل والنحل في الفضاء الإسلامي استعادت كامل عتاد المرحلة اليونانية الفكري والديني واللاهوتي، بشكل غافل على الغالب ربما، وباستعارات وإسقاطات تقترب من التطابق في العديد من الأحيان، وصولا إلى إقرار بالاستمرارية لدى بعض المذاهب على مدى المرحلة الإسلامية.

والوجه الثالث وهو الأمضى، فهو أن الفلسفة اليونانية بقيت حيّة في المرحلة الإسلامية، وكبار الفلاسفة اليونانيين كانوا السلف الصريح لحكماء العالم الإسلامي، بل أن تداول أخبار فلاسفة اليونان وأفكارهم والبناء عليها كان شأنا لهذا العالم دون غيره بأشواط. وإذ تضافرت أحوال شتى من الحروب إلى الضيق المادي وبطش السلطات لتمنع استمرار الفلسفة كبحث متجاوز للمرجعية الدينية، فإن أشكال عدة من الطروحات الفلسفية قد أعادت إنتاج نفسها ضمن الطرق والمذاهب الإسلامية.

الهوية اليونانية المعاصرة نشأت بفعل إحياء لتاريخ وحضارة كانا طي النسيان

ثمة حاجة إلى استعادة ذكرى التواصل اليوناني الإسلامي، ليس في إطار الاستنساب الذي من شأنه، لدى البعض الساقط في وهم التراتبية بين الحضارات، أن يقرّب الإسلام من "الغرب"، بل لمنع الطرح القائل بجوهرية حضارية إسلامية، قائمة على قيم يختارها، من الاستئثار بالسردية.

فإذا كان دور "الحضارة العربية الإسلامية"، كحافظة للنصوص والأفكار الفلسفية اليونانية، من وجهة نظر غربية شائعة "تذكير" الحضارة الأوروبية بميراثها اليوناني، فإنه من الجائز، بل الأقرب للصحة، القول بأن دور "الحضارة الغربية"، إذ جاءت للشرق بالأنوار المبنية على هذا الميراث، كان كذلك في إعادة المادة إلى منشئها.

ليس بوسع أحد أن ينكر فضل المفكرين الأوروبيين في ترجمة الأفكار إلى أنوار، غير أن العودة إلى الوعي بأن اليونان القدماء هم أيضاً أسلاف هذا الشرق، بالمعنى الحضاري الفكري كما بالمعنى المادي النسلي، من شأنه أن ينقض مقولة الشرق مقابل الغرب، بما يصاحبها من طعن بالأنوار والأفكار المؤسسة لها على أنها دخيلة.

"الشرق" لم ينتج الأنوار، ولكن تلقيه لها، خارج إطار المؤسسة الدينية التي رأت فيها تحدياً صارخاً، جاء مبنياً على أن الأصول الفكرية التي أنتجت الأنوار، ليست غريبة عن هذا الشرق، وإن كانت نخبته الفكرية قد أهملتها. بل هي بضاعته ردت إليه.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا تبقى البيئة خارج الوعي المجتمعي في المحيط العربي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السابق متابعات: في عام 2035.. كلنا سنكون عاطلين عن العمل!
التالى متابعات: تظاهرات العراق: صرخة ضد الفساد والارتهان

هل تتعامل كندا مع السعودية بحكمة؟

الإستفتاءات السابقة

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws