Arabnews24 | اخبار كندا

الغوص في الكهوف.. مخاطرة قاتلة تكشف عوالم لا تشبه أي مكان على الأرض

اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 27 مايو 2026 06:51 صباحاً (CNN) -- يتلاشى الضوء مع اختفاء الغواصين في أعماق نظام الكهوف، حتى يصبح اللون الأخضر المنبعث من مصابيحهم اليدوية هو كل ما يمكن رؤيته، خلال ارتداده على الجدران، ما يكشف عن كائنات ربما لم يرها البشر من قبل، وينير عالماً كان محصوراً في ظلام دامس.

يمكن أن تمتد هذه الكهوف لمئات الأميال، في متاهات خطيرة وغريبة تبدو وكأنها من عالم آخر، لا تشبه أي مكان على وجه الأرض.

ويدرك كل غواص تمامًا المخاطر المرتبطة باستكشاف هذه المناطق الغريبة. وفي الفيلم الوثائقي لعام 2024 "Diving Into the Darkness" (الغوص في الظلام)، تقول غواصة الكهوف الكندية المخضرمة جيل هاينرث: "كنت أسبح مرارًا عبر قبور أصدقائي. تلك القائمة تضم أكثر من مئة شخص".

وقد تأكدت خطورة هذا التخصص شديد الدقة مرة أخرى هذا الشهر، عندما لقي 5 غواصين إيطاليين مصرعهم أثناء استكشاف كهوف "فافو أتول" في جزر المالديف يوم 14 مايو/ أيار، كما توفي الغواص العسكري المالديفي الرقيب محمد مهدي أثناء محاولته انتشال جثثهم.

مورييل أودينينو، وفيديريكو جوالتيري، ومونيكا مونتيفالكوني، وجيالونكا بينيديتي وجورجيا سوماكال.Credit: Facebook/University of Genoa/Albatros Top Boat/Instagram

عُثر على جثة مدرب الغوص جيانلوكا بينيديتي عند مدخل الكهف، بينما وُجد الغواصون الأربعة الآخرون، مونيكا مونتيفالكوني، الأستاذة المشاركة في علم البيئة بجامعة جنوة؛ وابنتها جورجيا سوماكال؛ وفيديريكو غوالتييري، عالم الأحياء البحرية؛ وموريل أودينينو، الباحثة، في أعمق جزء من نظام الكهوف.

تُظهر هذه الصورة، التي نشرتها السلطات المالديفية، غواصين يستعدون للبحث عن الغواصين الإيطاليين المفقودين الأسبوع الماضي.

رغم إدراكهم الحاد للمخاطر، إلا أن هناك شيء ما يدفع غواصي الكهوف دومًا للعودة، تحديدًا أولئك الذين يكرسون بحياتهم، وأحيانًا يضحون بها، لاستكشاف هذه العوالم المائية الغريبة.

ويتنقلون فقط باستخدام المصابيح اليدوية وخيط الإرشاد، وهو حبل رفيع يمكّن الغواصين من العثور على طريق العودة إلى مدخل الكهف، ليشاهدوا جانبًا آخر من الحياة على كوكب الأرض.

تعد جيل هاينرث واحدة من أفضل غواصي الكهوف في العالم، وقد تم تعيينها مؤخراً كمستكشفة مقيمة في الجمعية الجغرافية الملكية الكندية.Credit: Melissa Renwick/Toronto Star/Getty Images

غالبًا ما يصف غواصو الكهوف بيئتهم المختارة بأنها شبيهة بالفضاء، أي عالم مختلف تمامًا مليء بالصواعد والهوابط والمخلوقات الشبيهة بالكائنات الفضائية. وقالت هاينرث، التي أنجزت أكثر من 8،000 غطسة، إن الغوص في أنظمة الكهوف المائية يُشبه "السباحة داخل عروق أمنا الأرض".

وأضافت: "رواد الفضاء يتحدثون عن تأثير النظرة الشاملة عندما ينظرون إلى الكوكب الأزرق العظيم من الخارج، وبعدها لا يعودون يرون الأرض بالطريقة ذاتها أبدًا. أعتقد أنني أعيش تأثيرًا مشابهًا من داخل الكوكب… فأنا حرفيًا داخل مصدر الحياة الذي يزوّد البشرية والحياة البرية وحتى جميع الصناعات التي نحتاجها في حياتنا الحديثة بالمياه".

"كل الأشياء التي قد تسوء"
في عام 2014، استكشف خبير الغوص الروسي فلاديمير توتشيلوف الكهوف نفسها في جزر المالديف التي عُثر فيها على الغواصين الإيطاليين متوفين. Credit: Vladimir Tochilov

ثمة أشياء كثيرة يمكن أن تسوء أثناء الغوص في الكهوف. فقد تتعطل المعدات؛ وقد تنقطع خيوط الإرشاد؛ وقد تصبح الرؤية شبه مستحيلة. وإذا حدث خطأ ما، فلا يمكن للغواصين ببساطة الصعود إلى السطح كما في أنواع الغوص الأخرى. بل يجب عليهم الاعتماد على ذكائهم وشركائهم في الغوص.

خلال استكشاف هذه الأنظمة، يضطر غواصو الكهوف باستمرار إلى المرور عبر مساحات ضيقة للغاية. وقالت هاينرث: "أحيانًا تكون كتفاي تحتكان بالسقف وبطني على الأرض، ولا أستطيع رؤية أكثر من متر واحد بسبب التيار القوي، بينما يضربني الرمل والطمي في وجهي".

لذلك، قبل أي غطسة، وقبل أن تفعل أي شيء آخر، تقوم هاينرث "بتخيّل كل الأشياء التي قد تسوء، وكل ما قد يقتلني في هذه البيئة".

وأوضحت: "مثلًا، ماذا لو انقطع هذا الخرطوم فجأة وبدأت أفقد الهواء؟ هل أستطيع الوصول إلى هذا الصمام بالمعدات التي أضعها اليوم"؟

وأضافت: "لكنه أيضًا تقييم عميق للذات. هل أنا مستعدة فعلًا لمثل هذه الغطسة؟ وآخر سؤالين أطرحهما على نفسي هما: هل أنا مستعدة اليوم للإنقاذ الذاتي بالمعدات التي أملكها وفي البيئة التي أنا فيها؟ وهل أنا قادرة ومستعدة لإنقاذ شريكي في الظروف نفسها؟"

في الوقت ذاته، أوضحت أن غواصي الكهوف يتدربون عادة للاستعداد لأي سيناريو.

وقالت: "آخر خطوة أقوم بها تتمثل بأن أترك مشاعري على السطح… عليك حقًا أن تبقى بعقلية عملية جاهزة للتعامل مع أي موقف قد يحدث".

لا يزال سبب عدم عودة الغواصين الإيطاليين الخمسة إلى السطح بعد غطستهم في المالديف غير معروف حتى الآن، رغم أن التحقيقات جارية لمعرفة ما حدث وكيف وصلوا جميعًا إلى تلك الأعماق.

كانت المجموعة قد حصلت على تصريح للغوص إلى أعماق تتجاوز 30 مترًا، وهو الحد الذي تُقيَّد به عادةً رحلات الغوص الترفيهية في المالديف، بحسب السلطات المحلية.

لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانوا قد غاصوا أعمق من المخطط، أو ما إذا كانت لديهم المعدات المناسبة لمثل هذه الغطسة التقنية والخطيرة.

وأوضح فلاديمير توتشيلوف، وهو مدرب غوص تقني سبق له استكشاف هذا النظام لـ CNN أن مثل هذه الكهوف نادرة في المالديف. حيث لا يتجاوز طولها 200 متر وتتكون من عدة قاعات، لكن عمقها يتطلب تدريبًا جادًا للغاية.

كنوز تحت الماء
يجلس رجل تحت شجرة في الشاطئ الاصطناعي بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث لليوم الثاني عن جثث أربعة إيطاليين مفقودين، في ماليه بجزر المالديف، بتاريخ 15 مايو عام 2026.Credit: Mohamed Afrah/AFP/Getty Images

تُعد أنظمة الكهوف المائية كنوزًا من المعلومات، إذ توفر مصدرًا مهمًا للبيانات لعلماء الأحياء والفيزياء والحفريات والمؤرخين.

وقالت هاينرث: "هذه الكهوف تشبه متاحف للتاريخ الطبيعي، إذ تقدم معلومات عن مناخ الأرض في الماضي، والحيوانات التي تعيش حياتها كلها في الظلام، وكذلك الحضارات القديمة التي كانت ترى في هذه الأماكن بوابات إلى عالم آخر".

في بعض أنظمة الكهوف توجد أنواع متوطنة، لا توجد في أي مكان آخر على الكوكب. من خلال توثيق هذه الأنواع، ساعد غواصو الكهوف في توسيع فهمنا للتاريخ التطوري للأرض.

وقد زارت هاينرث بعض الكهوف التي لم يسبق لأي إنسان أن استكشفها، وربما لن يفعل أحد ذلك مرة أخرى أبدًا. بصفتها مصورة تحت الماء، قالت: "التقاط الصور من هذه الأماكن التي تُذهل الناس يمنحني شعورًا عميقًا بالرضا، لأنه يتيح لي مشاركة هذه المغامرة".

مع ذلك، تتوخى الحذر دائما، إذ قالت: "خياراتي المتعلقة بالمخاطرة لن تؤثر عليّ وحدي، بل على عائلتي ومجتمعي أيضًا. لذلك علينا أن نتعلم من الحوادث، وأن نتحدث بصدق عمّا حدث بشكل خاطئ وكيف يمكننا منع تكراره في المستقبل".

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :