Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه!

الأحد 22 فبراير 2026 05:40 مساءً في كتابِ السِّيرة لابنِ هشام، والتَّاريخ للطَّبريِّ، والطَّبقات لابنِ سعد:

اِجتمعَ الملأُ من قريشٍ في دارِ النَّدوةِ ليبحثوا في شأنِ النَّبيِّ ﷺ، فجاءهم إبليسُ في صورةِ شيخٍ نَجديٍّ، فلمّا رأوه قالوا له: من أنتَ؟

قال: شيخٌ من أهلِ نجد، سمعتُ بما اِجتمعتُم له، فأردتُ أن أحضُرَكم، ولن يعدمكم منّي رأيٌ ولا نُصحٌ!

فقالوا له: اُدخُلْ!

فقال قائلٌ منهم: ما ترَوْنَ في شأنِ محمّدٍ؟ فقال رجلٌ منهم: اِحبِسوه في وثاقٍ، ثمّ تربَّصوا به المنونَ حتّى يهلك، كما هلك قبله الشُّعراءُ، زُهيرُ والنَّابغةُ، فإنّما هو كأحدِهم!

فقال إبليسُ: لا واللهِ ما هذا لكم برأيٍّ! واللهِ ليخرُجَنَّ من محبسِه إلى أصحابِه مَن يُخبرُهم بحبسِه، فيثِبوا عليه حتّى يأخذوه من أيديكم، ثمّ يمنعوه منكم! فما آمنُ عليكم أن يُخرِجوكم من بلادِكم! فانظُروا غيرَ هذا الرأيِّ!

فقال قائلٌ منهم: أخرِجوه من بين أظهُرِكم، واسترِيحوا منه، فإنّه إذا خرجَ لن يضرَّكم ما صنع!

فقال إبليسُ: واللهِ ما هذا لكم برأيٍّ! ألم تروا حلاوةَ قولِه، وطلاقةَ لسانِه، وأخذَه للقلوبِ بحديثِه؟! واللهِ لئن فعلتم، ثمّ استعرَضَ العربَ، لتجتمعنَّ إليه، ثمّ ليسيرنَّ إليكم حتّى يُخرِجَكم من بلادِكم، ويقتلَ أشرافَكم!

فقالوا: صدقَ واللهِ الشيخُ النَّجديُّ، فانظُروا رأيًا غيرَ هذا!

فقال أبو جهلٍ: واللهِ لأُشيرنَّ عليكم برأيٍ ما أراكم أبصرتُموه بعد، ما أرى غيرَه!

قالوا: وما هذا؟

فقال: تأخذوا من كلِّ قبيلةٍ وسيطًا شابًّا جَلْدًا، ثمّ يُعطى كلُّ واحدٍ منهم سيفًا صارمًا، فيضربونه ضربةَ رجلٍ واحدٍ! فإذا قتلتموه تفرَّق دمُه في القبائلِ كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحيَّ من بني هاشم يقدِرون على حربِ قريشٍ كلِّهم، وأنّهم إذا رأوا هذا قبِلوا بالدِّية، فاسترحنا منه!

فقال إبليسُ: هذا واللهِ الرأيُّ، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه!

وتفرَّقوا على هذا الرأيِّ وهم مُجمِعون على المُضيِّ به! فجاء جبريلُ إلى النَّبيِّ ﷺ وأمره ألّا يبيتَ في مضجعِه، فلم يبتِ النَّبيُّ ﷺ في بيتِه تلك اللَّيلة، وأُذِنَ له بالهجرةِ من مكّةَ إلى المدينة، وأنزلَ اللهُ تعالى قولَه:

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾.

الدَّرسُ الأوَّلُ:

من الحقائقِ المُرَّةِ الّتي علينا الاعترافُ بها أنّ أهلَ الباطلِ يجتمعون على باطلِهم أكثرَ ممّا يجتمعُ أهلُ الحقِّ على حقِّهم، وهذا مرجعُه إلى أنّ أهلَ الباطلِ يرون الحقَّ تهديدًا لوجودِهم، ترى كلَّ فرقةٍ منهم في سِجالٍ مع غيرِها، بينهم بأسٌ شديدٌ ومكائدُ وصراعُ نفوذ، فإذا ما واجهتهم دعوةُ حقٍّ اجتمعوا فورًا على باطلِهم، وللأسف قلّما يجتمعُ أهلُ الحقِّ ضدَّ باطلٍ، ترى كلَّ جماعةٍ أنّ الباطلَ الصِّرفَ أهونُ من الحقِّ الّذي تُخالِفُه في شيءٍ، أهلُ الباطلِ يعرفون أنّ اجتماعَ أهلِ الحقِّ يعني زوالَهم، لذلك يُنحّون خلافاتِهم جانبًا ويتّحدون، أمّا أهلُ الحقِّ فغالبًا ما يريدُ كلُّ واحدٍ منهم أن يكونَ رأسَ الأمر، فتتحوّل الخلافاتُ الفرعيّةُ مع الوقت إلى أصولٍ، ويُقاسُ القربُ والنُّفورُ بمقدار الموافقةِ والمخالفة، فانظُرْ حولكَ كم حزبًا وكم فرقة، ربُّهم واحدٌ، وكتابُهم واحدٌ، ونبيُّهم واحدٌ، وقبلتُهم واحدةٌ، ولكنّ الباطلَ المُجتمِعَ يغلبُ الحقَّ المُتفرِّق!

الدَّرسُ الثَّاني:

شياطينُ الجنِّ وشياطينُ الإنسِ حُلفاءُ، دعواهم واحدةٌ وهدفُهم واحدٌ، إبليسُ الّذي نزعَ لباسَ السِّتر عن أبوينا في الجنّة بعد أن أغراهما بالمعصية، له اليوم آلافُ النُّسخِ البشريّةِ الّتي تُحارب الحجاب، بعضُهم بسيفِ الفكرِ والإعلام، وبعضُهم بسيفِ الأزياءِ والموضة، وإبليسُ الّذي سمّى شجرةَ المعصيةِ شجرةَ الخُلد، له اليوم ملايينُ التّلاميذِ الّذين غيّروا أسماءَ الأشياء، فسمّوا الشُّذوذَ علاقةً، والخمرَ مشروباتٍ روحيّةً، والزِّنا حبًّا، والرِّبا فائدةً، فانتبهوا لهذه المعركةِ جيّدًا، وسمّوا الأشياءَ بمسمّياتِها، لا تُجمِّلوا الحرامَ، ولا تُميِّعوا الحلالَ!

الدَّرسُ الثَّالث:

بعضُ النّاسِ أباليسُ، يخطرُ لهم من المكائدِ ما لا يخطرُ على بالِ الشياطين، لم يكن عند إبليسَ خُطّةٌ جاهزةٌ لقتل النَّبيِّ ﷺ، ولكنّه أُعجبَ بخطّةِ أبي جهل، وحين يغرقُ الإنسانُ في الضّلالةِ يُبدعُ في الشَّر، وما قصّةُ ذلك الشّابِّ الّذي استدرج فتاةً باسمِ الحُبِّ والسِّحرِ والرُّؤى، إلّا مثالٌ على أن الشَّيطانَ قد يكونُ إنسانًا من لحمٍ ودم، يخطّطُ ويمثّلُ ويخدعُ بإتقانٍ يُرعبُ القلوب، فليس كلُّ شرٍّ من الجنّ، وبعضُه من بشرٍ أضلَّهم اللهُ على علم!

الدَّرسُ الرَّابع:

كُنْ مع اللهِ يكنْ معك، لستَ نبيًّا ليأتيكَ جبريلُ فيخبرَك بالمكائد، ولكنّك مؤمنٌ في حفظِ اللهِ ورعايتِه، يصرفُ عنك السُّوء بإلهامٍ، أو حلمٍ، أو تأخيرٍ، أو صرفِ قلبٍ، أو إلقاءِ خوفٍ في صدرِ عدوّك، فكم من نجاةٍ جاءت بلا صاعقة، وكم من نصرٍ وقع بلا سيف، خرجَ يوسفُ عليه السَّلام من السِّجن برؤيا، وهلكَ النَّمرودُ ببعوضة، فلا تشغلْ نفسَك كيف تنجو من النّاس، بل كيف تكونُ مع الله، فإنّه إن رضي كفى، وحمى، وأنجى، وأعطى، وأرضى!

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :