Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

رأي.. أردم أوزان يكتب: الشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد النظام

اخبار العرب -كندا 24: الخميس 5 فبراير 2026 01:15 مساءً هذا المقال بقلم الدبلوماسي التركي أردم أوزان، سفير أنقرة السابق لدى الأردن، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

نادراً ما تكشف لنا لحظات التاريخ الحاسمة عن نفسها، الأنظمة لا تنهار عادةً بسبب حدث واحد وإنما تتآكل ببطء، ثم تسقط فجأة عندما يظنّ الجميع أن بإمكانهم التعايش مع ضعفها إلى ما لا نهاية.

الشرق الأوسط يواجه اليوم انتقالاً هشّاً، عالقاً بين نظام ينهار ومستقبل لم تتحدد ملامحه. غزة، إيران، إسرائيل، الملف النووي، الأساطيل الأمريكية، واحتجاجات الشارع ليست وقائع منفصلة، هذه علامات تصدّع في منظومة إقليمية فقدت توازنها. وما سيأتي بعده ما يزال غير محسوم، غير أن التحوّل الجاري بدأ بالفعل بإعادة تشكيل المنطقة.

لعقود طويلة، اعتمد صانعو السياسات على استراتيجية أصبحت مألوفة، تبدأ بتصعيد، ثم تفاوض، ثم خفض تصعيد، ثم تكرار. لكن هذه الاستراتيجية لم تعد تنفع، وانتهى زمانها. نحن أمام إقليم يفشل فيه الردع في منع الأفعال، وتتراجع فيه الدبلوماسية عن إنتاج الحلول، وتتحول القوة إلى نفوذ لا يضمن الاستقرار. كل طرف يعمل من موقع قلقٍ وجودي، وهذا القلق أصبح العامل الاستراتيجي الأخطر لأنه يفتح الباب لقرارات عالية المخاطر وسوء تقدير متكرر.

صراع غزة صار نقطة الارتكاز العاطفية والسياسية لهذا التحوّل. انتقل من مواجهة محلية إلى جرحٍ دائم يطبع القرارات من عمّان إلى أنقرة والدوحة. العمليات العسكرية الإسرائيلية، مع التوسع المتزايد في الضفة الغربية، قوّضت “الوضع القائم” الذي لا يزال بعض الغربيين يتعاملون معه كمرجعية قابلة للإحياء. لكن الواقع يشير إلى شيء آخر، أنه لا وضع قائم قابلاً للاستعادة. ما يتسع هي الفجوة بين الأهداف الإقليمية لإسرائيل وبين تحديات المنطقة السياسية والديموغرافية والأخلاقية، وداخل هذه الفجوة ستتشكل الأزمة التالية.

قد يهمك أيضاً

في الوقت نفسه، تصاعد الصراع الطويل بين إيران وإسرائيل من "حرب ظل" إلى مواجهة مكشوفة. ما كان يُدار بصمت من هجمات سيبرانية، واغتيالات، وضربات عبر الوكلاء، أصبح علنياً وأكثر تحدياً. كل حادثة تُهيئ للتالية، فتتراجع العتبة التي كانت تكبح التصعيد. الطرفان يصرحان أنهما لا يسعيان إلى حرب شاملة، غير أن مسار التراكم يجعلها أكثر قابلية للتحقق. الخطر الأكبر اليوم لا يرتبط بالنوايا المعلنة بقدر ارتباطه بزخمٍ يتزايد وقد يفرض مساره على الجميع.

البرنامج النووي الإيراني يقع في قلب هذا الزخم، وطهران لا تتعامل مع الملف النووي كورقة تفاوضية قابلة للمقايضة، بل كآلية بقاء. فبعد سنوات من العقوبات والتخريب والاتفاقات المنهارة، ترسخت لدى القيادة الإيرانية قناعة مفادها أن امتلاك قدرة نووية قابلة للتحول إلى سلاح، أو الاقتراب من خيار السلاح هو الضمان الأكثر واقعية لاستمرار النظام.

ومع أن إيران تُظهر نفوذاً خارج حدودها، يتآكل التوافق الاجتماعي داخلها. الاحتجاجات المتكررة خلال السنوات الماضية ليست أحداثاً عارضة، هي مؤشر على خلل بنيوي أعمق. مجتمع شاب مثقل بالأزمات الاقتصادية يختبر الأسس الأيديولوجية للنظام. وعندما يشعر نظامٌ داخلياً بالضعف، يميل إلى تصدير توتراته إلى الخارج، وغالباً ما يقوده ذلك إلى حسابات قاسية أو أخطاء استراتيجية.

هذا القلق ينعكس أيضاً على دبلوماسية إيران. حاليأً طهران تدفع نحو تغيير مكان وشكل مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى انعدام الثقة بالأطر القائمة، وإلى تصور بأن ميزان الجغرافيا السياسية يتحرك لصالحها. حين تبدأ دولة بإعادة التفاوض على "هندسة الدبلوماسية" نفسها، يظهر أن قواعد اللعبة لم تعد مقبولة كما كانت.

قد يهمك أيضاً

الولايات المتحدة، في المقابل، تحاول إدارة منطقة لم تعد تستجيب للضبط الأمريكي المعتاد. مجموعات حاملات الطائرات في المتوسط والخليج تُظهر قوة وتشتري وقتاً وتجمّد التصعيد وتطمئن حلفاء باتوا يشككون في الالتزام الأمريكي طويل الأمد. لكن هذه القوة لا تعيد بناء بنية إقليمية انهارت بالفعل، ولا تُنتج نظاماً جديداً يعيد الاستقرار.

المفاوضات حول غزة، وحول الرهائن، وحول الملف النووي تستمر بالتوازي، لكنها تعمل كتكتيك لا كاستراتيجية. لا توجد طاولة مركزية، ولا نهاية مشتركة يتوافق عليها اللاعبون. الدبلوماسية تحولت إلى معاملات متقطعة هدفها منع الانفجار التالي أكثر من صناعة مستقبل. وحتى سعي إيران لنقل المفاوضات يؤكد درجة التفكك. ما يحدث لا يعد "ابتكاراً دبلوماسياً"، بل أحد أعراض تآكل النظام.

المنطقة تقف أمام مستقبلين محتملين

الأول: انقطاع حاد/انفجار

تبادل واسع بين إسرائيل وإيران، ضربة خاطئة الحسابات لمنشآت نووية إيرانية، هجوم عبر وكلاء يخرج عن السيطرة، أو انهيار داخلي في إيران يرسل ارتدادات عبر العراق وسوريا ولبنان والخليج. وحتى استمرار هشاشة ليبيا التي أضاءت عليها مؤخراً عملية اغتيال نجل القذافي يُظهر كيف يواصل انهيار الدولة غير المحسوم بثّ المخاطر عبر المنطقة. أي من هذه السيناريوهات قد يطلق سلسلة تفاعلات مثل انهيارات دول، موجات لجوء، صدمات اقتصادية، وسباق انتشار نووي يُنهي ما تبقى من نظام عدم الانتشار. في هذه الحالة، يتجاوز الشرق الأوسط كونه “منطقة أزمات” ويتحوّل إلى مولّد اضطراب عالمي.

الثاني: جمود طويل تحت توتر مرتفع

لا حرب شاملة ولا سلام، عقد كامل من صراع منخفض الحدة، عقوبات، اشتباكات عبر وكلاء، وضربات متقطعة. يصبح عدم الاستقرار شرط تشغيل دائم. مسارات الطاقة تتحول إلى خطوط تماس من البحر الأحمر إلى هرمز إلى شرق المتوسط، فتغدو تدفقات النفط وممرات الشحن والممرات الناشئة أدوات ضغط جيوسياسي. اتفاقات التطبيع تتجمد لا انهيار كامل ولا ثقة كاملة. التطرف السياسي يتحول إلى لغة الشارع الافتراضية. هذا السيناريو يتفادى الكارثة الكبرى، لكنه يدفع ثمنه عقداً ضائعاً من التنمية والحكم والتكامل الإقليمي.

لا يشبه أي من هذين المستقبلين الشرق الأوسط الذي لا يزال بعض صناع القرار يتخيلونه، في ظل اختفاء النظام القديم. أول سؤال لم يعد هل يمكن استعادة الاستقرار؟ لكنه أصبح بصيغة أي شكل من عدم الاستقرار سيسود، وبأي كلفة، وهل القوى العالمية جاهزة لأيٍّ من المسارين؟

إذاً وصلت كل منطقة إلى لحظة الاختبار القادم والذي يتمثل فيما إذا كان الإقليم سيتجه نحو انفجار مفاجئ أو نحو سنوات طويلة من عدم الاستقرار المُدار، وما إذا كانت القوى الكبرى مستعدة للتعامل مع ذلك. فالأزمة القادمة لن تُحاصر داخل المنطقة، وإنما ستنعكس على أسواق الطاقة، وأنماط الهجرة، والسرديات السياسية، وعقائد الأمن حول العالم.

إذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا تفادي الأسوأ، فعليهما التوقف عن التعامل مع غزة، وطموحات إيران النووية، والمسار التوسعي لإسرائيل، كملفات منفصلة، لأن هذه عناصر مترابطة داخل منظومة واحدة تتدهور. وبناء مستقبل أكثر قابلية للحياة يتطلب أكثر من الردع والدبلوماسية بصيغتهما التقليدية، ويجب تقديم رؤية سياسية تجمع الأمن والكرامة وشرعية السردية، كشروط لقيام أي نظام مستقر.

نحن عند عتبة زمنٍ جديد، ومعيار قياسه ليست بعيدة، وإنما الأيام القادمة في سلسلة التوترات، التي قد تكون لحظة انتقال تتبلور فيها قواعد جديدة بالقوة لا بالتفاهمات. وإن انزلقت المنطقة إلى مواجهة أكبر، فسيكون المشهد الإقليمي يتقدم نحو أحد طريقين: انفجارٌ يفرض قواعده دفعة واحدة، أو جمودٌ طويل يتحول فيه التوتر إلى نظام حياة. ما يجعل الأيام القادمة خطرة أنها قد تحسم أي الطريقين سيسود. وفي منطقة تتراجع فيها عتبة الردع وتتآكل فيها قيمة الوساطة، تصبح الأخطاء أسرع من القدرة على احتوائها، ويصبح “منع الحرب” مهمة أصعب من خوضها.

* نبذة عن الكاتب: 

أردم أوزان دبلوماسي تركي متمرس يتمتع بخبرة 27 عامًا في الخدمة الدبلوماسية. وقد شغل العديد من المناصب البارزة، بما في ذلك منصبه الأخير كسفير لدى الأردن، بالإضافة إلى مناصب في الإمارات العربية المتحدة والنمسا وفرنسا ونيجيريا.

ولد في إزمير عام 1975، وتخرج بمرتبة الشرف من كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. واكتسب معرفة واسعة بالمشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الشرق الأوسط، حيث قام بتحليل تعقيدات الصراعين السوري والفلسطيني، بما في ذلك جوانبهما الإنسانية وتداعياتهما الجيوسياسية.

كما شارك في العمليات الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتخصص في مجال حقوق الإنسان والتطورات السياسية الإقليمية. وتشمل مساهماته توصيات لتعزيز السلام والاستقرار من خلال الحوار والتفاوض بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. ويواصل حاليا دراساته عن الشرق الأوسط بينما يعمل مستشارا.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :