اخبار العرب -كندا 24: السبت 10 يناير 2026 10:51 صباحاً هذا المقال بقلم شاناز إبراهيم أحمد، السيدة الأولى لجمهورية العراق، مدافعة عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ومؤسِسة أقدم جمعية خيرية للأطفال في كردستان عام 1991، والآراء الواردة أدناه تعبّر عن وجهة نظرها ولا تعكس بالضرورة رأي شبكة CNN.
في الأسبوع الماضي، حضرت مراسم تولّي جمهورية قبرص رئاسة الاتحاد الأوروبي، ولا أخفي أنني وجدتُ نفسي متأثرة إلى حدّ الدموع عندما عُزف النشيد الوطني القبرصي «نشيد الحرية» للشاعر ديونيسيوس سولوموس في القاعة. فقد لامستني القصيدة، بما تحتفي به من حرية وبسالة، ولما تحمله من رسالة وحدة وأمل بمستقبل يسوده السلام. وفي قبرص، الجزيرة التي أنهكها الانقسام طويلًا، مع احتلال ثلثها الشمالي منذ عام 1974، قدّم هذا النشيد تذكيرًا بأن حتى الشعوب المنقسمة يمكنها أن تحتضن تطلعاتها للتماسك والمصالحة. إلا أن هذه اللحظة المفعمة بالأمل الجماعي، سرعان ما قادتني إلى تأمل التناقض الحاد في أماكن أخرى من العالم، حيث ينهك المدنيون تحت دمار متواصل، بينما يبدو خطاب السلام أجوفًا أمام الحقائق على أرض الواقع.
ولم يكن هذا التباين أشد إيلامًا مما بدا عليه في سوريا. ففي الوقت الذي كنا نحتفي فيه بمُثل السلام والحرية في قبرص، كانت أحياء مدنية في حلب تتعرض للحصار والقصف، مع تقارير عن نزوح نحو 16 ألف مدني وسقوط العشرات. وواجه الأكراد في حلب، إلى جانب أقليات أخرى، تهديداتٍ مباشرة، عالقين في حلقة مغلقة من الخوف والدمار. وفي اليوم التالي، زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع، متعهدة بدعم «تعافي سوريا وإعادة إعمارها»، من دون ذكر كلمة واحدة عن المدنيين المحاصرين الذين يتعرضون للقصف اليومي في حلب. فكيف يمكن لوعود إعادة الإعمار أن تتعايش مع التوسع المستمر للمجمّع الصناعي العسكري العالمي؟ وكيف يمكن الحديث عن إعادة بناء المجتمعات بينما يُصاب الأطفال بإعاقات، وتدمر الأحياء بالكامل، ويعيش جيلٌ كامل تحت وطأة الصدمة والخوف؟
إن انتقائية التعاطف العالمي حقيقة لا يمكن إنكارها. ففي السنوات الأخيرة، وبينما تركز اهتمام وسائل الإعلام على أوكرانيا وغزة، فقد حظيت أزمات السودان واليمن (حيث شُرّد الملايين وأُصيبوا وقُتلوا) باهتمام أقل بكثير. ويعكس هذا التباعد الصارخ بين الخطاب والواقع نمطًا راسخًا من ازدواجية المعايير والنفاق الثقافي. فالدول التي ترفع علنًا راية السلام تواصل في الوقت ذاته بيع السلاح لمختلف الأطراف، وتمويل الحروب بالوكالة، وتحقيق الأرباح من النزاعات، بما يضمن استمرار العنف حتى مع التصريحات الدبلوماسية الواعدة بالحلول. وهنا في خضم هذه التناقضات يتحمل المدنيون العبء الأثقل: منازل تدمر، عائلات تتفكك، وأجيال تنشأ على الخوف.
وفي سوريا، تتجلى هذه الازدواجية بوضوح. فالحرب لم تنتهِ بسقوط الأسد. فمنذ ديسمبر/ كانون الأول 2024، تواترت تقارير عن الانتهاكات المتكررة بحق الأقليات، وأسفرت عن آلاف الضحايا. ولا يزال المدنيون الأبرياء يدفعون الثمن الأكبر، بينما تتحدث قوى إقليمية ودولية عن إعادة الإعمار والاستقرار، في الوقت الذي يبقى فيه الصراع قائمًا. ويكشف هذا التناقض حقيقة مؤلمة عن رفع أصحاب المصلحة راية السلام فيما يربحون من الحرب. إن حصيلة الأرواح المفقودة والمستقبلات المدمَّرة تضعنا أمام حقيقةً مؤلمة لا مفر منها: سيظل السلام وهمًا ما لم يُقترن الخطاب بأفعال جادة وخاضعة للمساءلة.
إن أخطر ما يدين عصرنا ليس غياب خطاب السلام، بل سهولة خيانته بدافع المصلحة الذاتية والبراغماتية. وتتجلى هذه الخيانة بأوضح صورها في التفاوت في الاهتمام والإلحاح وسرعة الاستجابة لمختلف الحروب. فبينما تتصدر بعض النزاعات عناوين الأخبار، تبقى أخرى إلى حد كبير خارج دائرة الضوء، تاركةً معاناة شعوبها بلا تعاطف، ضعفاء ومهمَلين. وإذا كان للسلام أن يحمل معنىً حقيقيًا، فيجب أن يستند إلى مبادئ عملية قابلة للتنفيذ: حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومساءلة جميع الأطراف التي تكرّس العنف.
وعند العودة إلى قبرص، يذكّرنا «نشيد الحرية» بقوة الأمل والوحدة والتطلع إلى مجتمع يسوده السلام. غير أن أناشيد الحرية لابدَ أن تُقابل بأفعال ملموسة على أرض الواقع. فالازدواجية صادمة: الاحتفاء بمُثل الحرية بينما يواصل المدنيون في السودان واليمن وسوريا وغزة وغيرها دفع ثمن الحروب من دمائهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. لا يمكن للسلام أن يظل طموحًا مثاليًا أو مجرد شعار نتحدث عنه، إنه مسؤولية لا مجرّد كلمات. وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك بخطوات متسقة وصادقة وشجاعة. حتى يترجم القول إلى فعل، سيبقى الأمل هشًا، وسيواصل الأبرياء دفع ثمن التردد والتقاعس.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :