اخبار العرب -كندا 24: الأحد 7 يونيو 2026 03:15 مساءً نقع في المجلد الحادي عشر من الأعمال الكاملة للروائي الألماني الكبير توماس مان على نصٍّ بالغ الأهميَّة ظلّ خارج اهتمام الدارسين العرب والمسلمين، بعنوان: (أشجار الحديقة: خطابٌ من أجل أوروبا الجامعة). ويتخذ النصُّ أسطورة شجرتي التين والزيتون مدخلاً إلى نقد تحولات موقع ألمانيا في الفضاء الأوروبي، وما يعتريه من توتر بين خصوصيتها الثقافيَّة العميقة وانخراطها في المشروع الأوروبي الحديث.
ألقى توماس مان هذا النص عام 1930 في برلين أمام جمعية (خطة أوروبا)، قبل أن يعيد توظيف بنيته الرمزية لاحقاً في روايته الكبرى «يوسف وإخوته»، التي صدرت بالعربية سنة 2024 في أربعة مجلدات. ومن أجل التحضير لهذه الرواية، انكبَّ على دراسة التاريخ المصري القديم والأساطير الشرقية حتى غدا مختصّاً فريداً بتلك الموضوعات، إلى درجة أن Jan Assmann خصَّص كتاباً للحديث عن معارف توماس مان ومعالجاته، عنوانه: Thomas Mann und Ägypten: Mythos und Monotheismus in den Josephsromanen.
وعلى الرغم من مرور قرابة قرن على نشر هذا النصِّ/الخطاب، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة؛ إذ لم يُستثمر حتى الآن في ضوء النصِّ القرآني وتأويلاته التراثية الإسلامية.
يبدأ توماس مان خطابه بالقول: «تتكلم الأساطير الشرقيَّة عن شجرتين في حديقة العالم تُنسب إليهما دلالة كونيَّة أساسيَّة ومتعارضة جذرياً. الأولى شجرة الزيتون، التي يُدهن بزيتها الملوك ليحيَوا. فهي شجرة الحياة، المقدسة للشمس؛ فمبدأ الشمس، بما فيه من عقل ورجولة ووضوح، متصل بجوهرها. وما يصدر عنها هو القداسة والعزم والثقة. إنِّها عزاء للشعوب وباعث طمأنينة لها من الألم والمخاوف.
أما الثانية فشجرة التين، المملوءة ثمارها حلاوة، ومن يأكل منها يموت. فهي شجرة الموت، غير أن معناها يمتدُّ أيضاً إلى المعرفة والتمييز والنشاط الجنسي. إنَّها شجرة القمر، المتصلة بعالم قمري ساحر من الليل والخصب والعمق الحسي، وتهب العالم والروح أشياء كثيرة مما لا تدركه بركة شجرة الزيتون الملكية المشرقة.
في ظلِّ التضاد الكوني كما يتجلى في أسطورة هاتين الشجرتين في حديقة العالم، بقي طموح البشريَّة نحو الحقيقة وسعيها إلى غاياتها محكوماً عبر جميع العصور بهذا الانقسام الثنائي، إلى حدٍّ يمكن معه القول: إن التاريخ الفكري نفسه لا يعدو أن يكون سلسلة من الجدل والصراع بين هذين المبدأين المتقابلين»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 861).
يتابع توماس مان تقريره بأنَّ العالم الغربي بنى جزءاً كبيراً من حضارته على قيم العقل والتنظيم والفعل السياسي وإرادة التقدم. أما ألمانيا فهي، في هذا السياق، تميل إلى تعميق الجانب الداخلي للحياة: التأمل والغموض واللاوعي الإبداعي والانغماس في التجربة الروحيَّة. وهذه الخصوصية ليست سلبية في ذاتها، بل هي مصدر غنى ثقافي وروحي، لكنَّها تصبح مؤذية عندما تنزلق نحو سياسية تغذّي الفاشيَّة واللاعقلانيَّة الجماعيَّة، فتعزل نفسها عن الفضاء الأوروبي المشترك.
بهذا المعنى، يصبح النصُّ دعوةً إلى مصالحة داخليَّة بين ما هو داخلي وما هو خارجي في الإنسان، بين التجربة الفردية العميقة والمسؤوليَّة العامة، بين الفن والسياسة، وبين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُنظَّم.
فالتين والزيتون مبدآن متكاملان ومتعارضان في الوقت نفسه. والحضارة الإنسانيَّة تقوم على جدل دائم بين الروح والعقل من جهة، والنفس والليل والرغبة من جهة أخرى. والإنسان يحتاج إلى عالم الزيتون، لكنَّه لا يستطيع أن يعيش من دون عالم التين أيضاً. ومن هنا تأتي الطبيعة التراجيديَّة لرؤية مان، حيث يصبح التوتر بين الليل والنهار جزءاً من بنية الوجود نفسه.
ويبدو جليّاً أن توماس مان يضع هذا البناء الأسطوري منذ البداية ضمن أفقٍ قابلٍ للمقارنة الثقافيَّة والدينيَّة، ولذلك كان من الطبيعي أن يقفز ذهن المسلم إلى إجراء مقارنة بين ثنائيته الرمزيَّة (التين/الزيتون) والسورة القرآنيَّة (التين) وما تراكم حولها من شروح تراثيَّة، في إطار رؤية أوسع لتاريخ الرموز بوصفه حقلاً مشتركاً بين الحضارات، لا ملكيَّة حصريَّة لأيِّ تقليدٍ بعينه.
«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ > وَطُورِ سِينِينَ > وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ > لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ > ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ > إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ > فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ > أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ».
للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن أن التين والزيتون هما الثمرتان المعروفتان، وهذا ما يرجّحه إمام المفسرين الطبري، ولكن كثيراً من المفسرين، ومنهم ابن تيمية، يذهبون إلى أنَّ التين والزيتون يشيران إلى جغرافيا الوحي والتاريخ المقدَّس. يقول ابن تيمية: «والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين: إقسامٌ منه بالأمكنة الشريفة المعظَّمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه، وأنزل فيها الكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن». وبهذا تصبح شجرتا التين والزيتون، أو ثمرتاهما، خريطة رمزية لمسار النبوُّة الإبراهيميَّة، حيث تتصل الطبيعة بالوحي، والأرض بالتاريخ الروحي للإنسان، في إطار رؤية توحيديَّة تجعل الكون كله علامات على الهداية الإلهيَّة ووحدة الرسالات السماويَّة.
ونحن هنا أمام تناول رمزي أيضاً لشجرتي التين والزيتون، لكنه لا يظهرهما قوتين متصارعتين علينا أن نجمع ونوفّق بينهما؛ ففي التأويل القرآني يدخلان في قَسَم إلهي واحد يسبق إعلان الحقيقة الوجوديَّة عن الإنسان: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات». فالحقيقة الوجوديَّة حول صراع القوى الكونيَّة لدى توماس مان هي، في القرآن الكريم، حقيقةٌ أخلاقيَّة وروحيَّة تتعلق بمصير الإنسان، وداخل الذات الإنسانيَّة نفسها.
وهكذا يتبدّى الفرق بين مشروعين تأويليين: أحدهما يجعل من الرموز ساحة لصراع حضاري مأساوي بين التين والزيتون، والشمس والقمر، والعقل والليل، والآخر يدمجها في أفق الهداية ووحدة المعنى الكوني.
لقد كان توماس مان النذير العريان الذي نفخ بالبوق في أجواء ألمانيا، منبِّهاً إياها إلى ضرورة التوازن وعدم الانزلاق من عالم الشمس إلى عالم القمر، أو من رمزيَّة الزيتون إلى رمزيَّة التين، حتى لا تهوي في درك النازيَّة المنغمسة في رومانسيتها المظلمة. وهذا ما جعل خطابه يتجاوز التنظير إلى التنبُّؤ التحذيري، لكنّه، في أثناء ذلك، لم يقف عند حدود التأويل الميتافيزيقي؛ إذ سرعان ما تحوّلت الرموز لديه إلى أداة تصنيف للحضارات على الطريقة الاستشراقيَّة الفجّة والتبسيطيَّة المشوِّهة، فنراه يقول في هذا الخطاب:
«ولا شكَّ في أنَّ قارتنا، وكلَّ ما يحمل بصمتها، أي العالم الغربي، منذ أيام الإغريق الذين عبدوا زيوس، ومنذ ظهور المسيحية، قد التزمت في جوهرها، بإيمانها وحياتها الدينيَّة، بالمبدأ الشمسي، عالم قدسية الإرادة والحرية والحكمة والعمل. نعم، إذا كنّا نتحدث هنا عن الوحدة الثقافيَّة لأوروبا والتجربة الأوروبيَّة الحاسمة، التي هي يونانيَّة، فمن الطبيعي أن نستند إلى هذين العنصرين المشتركين، وأن نعتبر الإيمان الروحي الرابط الأوروبي الحقيقي، بينما نُحيل تأليه المبدأ القمري، الأمومي والروحاني السلبي، إلى الشرق، إلى آسيا وطبيعتها الباهتة والهمجيَّة»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 486).
وهكذا تتحول هذه الثنائيات إلى نموذج لتفسير التوتُّر الحضاري في أوروبا الحديثة، ثم يقترح حلّها بإقامة نوع من التركيب أو المصالحة بين الأضداد داخل وحدة ثقافيَّة أعلى، أما النصُّ القرآني فلا يقدّم هذه الثنائية بوصفها بنية أنطولوجية للعالم أو معادلة رمزية داخل الطبيعة، بل يدرجها ضمن سياق قَسَمي يُحيل إلى معنى توحيدي شامل يتعلق بالإنسان، الكائن المكرّم ابتداءً، ثم الممتحن باختبارٍ أخلاقيٍّ حرٍّ، فيه إمكان السقوط ابتداءً، وإمكان الارتقاء استمراراً وانتهاءً.
إنَّ هذه المقارنات الثقافيَّة قد تُغني أفق القراءة، وتكشف عن تشابكات رمزيَّة إنسانيَّة واسعة، لكنَّها تظلُّ أدواتٍ للفهم لا مصادرَ للمعنى النهائي.
أمَّا سؤال: إلى أي مدى يسمح النصُّ القرآني بأن يُقرأ عبر خرائط رمزيَّة عابرة للثقافات؟ فجوابه يظلُّ مفتوحاً بين حذر مناهج التفسير الكلاسيكيَّة، وخصوبة الدراسة المقارنيَّة.
* باحث سوري
على الرغم من مرور قرابة قرن على نشر نص/ خطاب توماس مان، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :