اخبار العرب -كندا 24: الأحد 7 يونيو 2026 04:51 صباحاً لعقود طويلة، ظلت الولايات المتحدة محصنة ضد نظرية «التمدد الإمبراطوري الزائد» التي أطاحت بالإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ، مستندة إلى تفوقها العسكري وهيمنتها المالية المطلقة. لكن هذا الصمود بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى؛ بفعل تحولات جيوسياسية متسارعة، وعادة أميركية خطيرة ترسخت هذا القرن، وتقوم على «الاقتراض من الغد لتمويل حروب اليوم»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».
وفي تحول هيكلي صاعق كشف عنه البنك المركزي الأوروبي مؤخراً، أطاح الذهب بسندات الخزانة الأميركية ليصبح أصل الاحتياطي الأول في العالم، حيث قفزت حصة المعدن الأصفر في احتياطيات البنوك المركزية إلى 27 في المائة بحلول نهاية العام الماضي، في مقابل تراجع حصة السندات الأميركية إلى 22 في المائة. هذا الهروب الجماعي نحو الملاذات الآمنة يتزامن مع تحذيرات علمية مرعبة أطلقها «نموذج بن وارتون للموازنة» بجامعة بنسلفانيا تؤكد أن قطار الديون الأميركية يقترب بسرعة نحو نقطة «اللانهاية» الحتمية حيث لا عودة، وفق موقع «ذي فورتشن».
هل تسقط واشنطن في «فخ ثوسيديدس»؟في قلب العاصمة الصينية بكين وخلال استقباله للرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعة الشعب الكبرى، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ سؤالاً حمل دلالات تاريخية عميقة: «هل تستطيع التغلب على فخ ثوسيديدس؟». وكان شي يلمح بذكاء إلى النظرية اليونانية القديمة التي تفيد بأن القوى العظمى تسقط عندما تتجاوز التكاليف المادية والعسكرية لالتزاماتها الخارجية القدرة الإنتاجية لاقتصادها المحلي.
وتُظهر الأرقام الحالية أن خطر التمدد الزائد أصبح واقعاً داهماً؛ إذ تُقدر التكاليف المباشرة قصيرة المدى للصراع الحالي في إيران بنحو ملياري دولار يومياً. ورغم ذلك، تقدم ترمب إلى الكونغرس بطلب موازنة دفاع وطني بقيمة مذهلة بلغت 1.5 تريليون دولار، وهو ضعف الرقم المسجل عام 2020، والصادم أن هذا المبلغ لا يشمل حتى تكاليف حربه الأخيرة.
تشير الباحثة ليندا بيلمز من «جامعة هارفارد» إلى أن نمط تمويل النزاعات العسكرية الأميركية شهد تحولاً غير مسبوق؛ فللمرة الأولى منذ حرب الاستقلال الأميركية، جرى تمويل تكاليف الحروب بالكامل تقريباً عبر الديون، ومن خلال ما سمته «الموازنة الشبحية» التي تفتقر إلى الرقابة والمحاسبة، مما رفع الفاتورة الإجمالية لحروب ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 8 تريليونات دولار، وفقاً لمشروع تكاليف الحرب بجامعة براون.
هذا الإسراف المالي، جنباً إلى جنب مع تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا، دفع بالدين العام الأميركي للقفز إلى مستويات قياسية تقترب من حاجز الـ 36 تريليون دولار، ليعود إلى مستوياته التاريخية المسجلة عام 1946 فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعادل تقريباً 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي حالياً.
جدار الـ 210% يهدد بالإفلاس الحتميفي هذا السياق المتأزم، جاء تقرير «نموذج بن وارتون للموازنة» ليضع الرقم الدقيق الذي ستتحول عنده الديون الأميركية إلى قنبلة موقوتة غير قابلة للإصلاح: 210 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفقاً للنموذج، يمثل هذا الرقم «الحد الخارجي الأقصى» للملاءة المالية الأميركية، والذي إذا تم تجاوزه، يصبح التخلف عن سداد ديون الخزانة أو العجز عن تمويل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية أمراً حتمياً. وفي حين تشير توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى إمكانية نمو الدين ليصل إلى 175 في المائة بحلول عام 2056، إلا أن «بن وارتون» يرى أن الانفجار قد يحدث قبل ذلك بكثير لعدة أسباب:
- فاتورة الرعاية الصحية: مع الارتفاع التاريخي لتكاليف الرعاية الطبية، هناك احتمال بنسبة 25 في المائة لبلوغ الحد الأقصى للدين في غضون 14 عاماً فقط.
- فوات الفرص التدخلية: لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان، ستحتاج واشنطن لفرض زيادة ضريبية دائمة ومؤلمة تصل إلى 15 نقطة مئوية كاملة على جميع دخل العمالة، وهو أمر مستبعد سياسياً.
- التعريفات الجمركية: أكد النموذج أن سياسات ترمب لفرض تعريفات جمركية حادة (مثل تلك التي أقرت في أبريل 2025) والتي تقلل تدفق رؤوس الأموال الدولية، قد تقصر المهلة الزمنية المتاحة لأميركا بمقدار سنتين إلى أربع سنوات.
مع هروب المستثمرين الأجانب والبنوك المركزية من السندات الأميركية نتيجة المخاوف المرتبطة باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي»، و«عسكرة» الدولار عبر العقوبات المفرطة، ملأت صناديق التحوط (التي تتخذ من الملاذات الضريبية مثل جزر كايمان مقراً لها) هذا الفراغ عبر صفقات ممولة برافعة مالية ضخمة وقصيرة الأجل في سوق «الريبو».
ويحذر ويليام وايت، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التسويات الدولية، من أن أي اضطراب يمس تمويل هذه الصناديق قد يؤدي إلى دوامة تسييل قسرية مرعبة في السوق.
بالتوازي مع ذلك، بدأت اليابان، وهي أكبر حائز أجنبي للسندات الأميركية بنحو تريليون دولار، في إعادة توجيه أموالها إلى الداخل. فمع قيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، أصبحت سندات الحكومة اليابانية أكثر جاذبية، مما تسبب في تسجيل أكبر تدفق شهري إلكتروني تاريخي نحو صناديق السندات السيادية اليابانية في مارس (آذار) الماضي، مسبباً ضعفاً شديداً في مزادات السندات الأميركية الأخيرة واضطرار الخزانة لرفع العوائد لجذب المشترين.
فخ ليز تراس الأميركييرى المحللون أن إدارة ترمب باتت قريبة جداً من مواجهة صدمة في سوق الديون تشبه تلك التي أطاحت برئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تراس عام 2022 بعد موازنتها غير المموّلة.
وفي حال حدوث هذا التمرد في سوق السندات، سيتعين على «الاحتياطي الفيدرالي» التدخل مجبراً لشراء الديون وإنقاذ السوق، مما يدخل البلاد في فخ «الهيمنة المادية»، حيث يعجز البنك المركزي عن رفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم خوفاً من تضخم تكلفة خدمة الدين الحكومي، مما يقود في النهاية إلى مشهد اقتصادي «ركودي تضخمي» حاد. ويشير برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «أكسفورد إيكونوميكس»، إلى أن شبح إفلاس صناديق الائتمان للضمان الاجتماعي بحلول عام 2034 قد يكون المحفز الأساسي لهذه الصدمة إذا حاولت الحكومة التغطية عليها عبر الإيرادات العامة دون إصلاحات حقيقية.
في كتابه الأخير، يجري البروفسور باري إيتشنغرين، من جامعة كاليفورنيا بيركلي، مقارنة تاريخية صارخة بين العملة الأميركية في عهد ترمب، وعملة روما في زمن الإمبراطور نيرو. فبينما كان نيرو غارقاً في تمويل حروب متعددة الجبهات وتشييد مشاريع عمرانية باذخة، لم يجد مفرّاً من تخفيض نسبة الفضة في عملة «الديناريوس» لتغطية عجز إنفاقه المفرط. تلك المناورة المالية لم تكن سوى الشرارة الأولى التي أطلقت مسار التآكل التدريجي، بطيء المفعول وطويل الأجل، للهيمنة الاقتصادية التي بسطتها روما على العالم القديم.
وعلى خطى لويس الرابع عشر، ملك فرنسا الذي اعترف على فراش موته بأنه «أحب الحرب والإنفاق أكثر من اللازم»، يبدو أن ترمب مستمر في نهجه الحمائي والإنفاقي. لكن الإرث الحقيقي لهذه الحقبة سيبقى متمثلاً في جبل الديون المتراكم، والذي بدأ يقوض أركان النفوذ الأميركي في العالم، ممهداً الطريق لظهور عالم ثنائي القطب؛ أحدهما آخذ في التراجع ويقوم على الدولار المأزوم، والآخر صاعد بقوة يعتمد على الذهب واليوان الصيني عبر منصات رقمية عابرة للحدود مثل «mBridge» التي لا تعترف بالهيمنة الأميركية التقليدية.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :