اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 29 مايو 2026 12:15 مساءً قلعة الشقيف... وجهة إسرائيل الجغرافية للقبض على جنوب لبنان
تعيد الغارات الإسرائيلية المتواصلة على قلعة الشقيف ومحيطها شرق النبطية، إحياء الجدل حول واحد من أكثر المواقع حساسية في جنوب لبنان. فالقلعة التي شكّلت عبر العقود عقدة عسكرية حاكمة ومسرحاً لمعارك طبعت الذاكرة الإسرائيلية واللبنانية، عادت إلى واجهة الأحداث مع تصاعد العمليات العسكرية في الجنوب، وسط تقديرات عسكرية تؤكد أن أهميتها الميدانية لم تتراجع رغم التحولات التي شهدتها طبيعة الحروب خلال العقود الأخيرة.
وتتزامن عودة الشقيف إلى دائرة الضوء مع تكثيف الغارات الإسرائيلية على محيطها والمرتفعات المشرفة على النبطية؛ ما أعاد طرح الأسئلة حول القيمة العسكرية للموقع الذي بقي حاضراً في مختلف المواجهات الكبرى التي شهدها جنوب لبنان منذ اجتياح عام 1982.
معلم تراثيوتُعدّ قلعة الشقيف، أحد أبرز المعالم التاريخية والتراثية في جنوب لبنان، وهي واحدة من أهم وأشهر القلاع الصليبية في بلاد الشام
، أطلق عليها الصليبيون اسم قلعة «بوفور» أي «الحصن الجميل»، سقطت القلعة لاحقاً بيد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار طويل، ثم استردها الصليبيون لفترة وسكنها «فرسان المعبد»، حتى سيطر عليها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268م.
وعلى الرغم من أن الرومان
هم أول من بنى تحصينات أولية في هذا الموقع الاستراتيجي، فإن الصليبيين
هم الذين وسَّعوها بشكل كبير وبنوا معظم أبنيتها الحالية خلال فترة وجودهم في المنطقة. وتتمتع القلعة منذ عام 2024 بصفة «الحماية المعززة» بموجب البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، حسبما قالت بلدية أرنون في بيان، محذرة من الأضرار التي قد تلحق بقلعة الشقيف جراء الغارات الإسرائيلية المتكررة. ودعت الجهات اللبنانية والمنظمات الدولية المعنية إلى التحرك لحماية الموقع ومنع تعرضه لمزيد من الأضرار.
أفضلية ميدانية حاسمةولطالما كانت القلعة ميدان صراع، واختبرت في السبعينات من القرن الماضي، قصفاً جوياً إسرائيلياً عنيفاً؛ كون منظمة التحرير الفلسطينية اتخذت منها ميداناً لإطلاق النار باتجاه إسرائيل، ولاحقاً في عام 1982، شهدت أعنف معركة عسكرية بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين. واحتلتها إسرائيل حتى عام 2000.
ويرى العميد المتقاعد بسام ياسين أن الأهمية التي تكتسبها قلعة الشقيف اليوم لا تختلف كثيراً عن تلك التي جعلتها محوراً للمعارك منذ اجتياح عام 1982، عادَّاً أن الموقع ما زال يشكل إحدى أبرز النقاط الحاكمة عسكرياً في جنوب لبنان.
وقال ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن «قلعة الشقيف بقيت حاضرة في جميع الحروب والمعارك مع إسرائيل منذ عام 1982 وحتى اليوم بسبب موقعها الاستراتيجي»، موضحاً أن القلعة تشكل نقطة إشراف حاكمة على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة.
وأضاف: «قلعة الشقيف تطل على مستوطنة المطلة، وتبعد عنها أقل من أربعة كيلومترات. وهي تشرف على المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني، وتُعد أعلى تلة في هذا القطاع».
وأوضح أن الموقع يمنح من يسيطر عليه أفضلية عسكرية كبيرة، قائلاً: «من قلعة الشقيف يمكن الإشراف على الطيبة ودير سريان والقنطرة، حيث يوجد الجيش الإسرائيلي اليوم؛ ولذلك لا يستطيع أن يتركها خارج سيطرته إذا أراد البقاء في المنطقة التي يتمركز فيها».
وأشار إلى أن هذه الأهمية ليست جديدة، مذكّراً بأن إسرائيل قبل انسحابها من جنوب لبنان عام 2000 كانت تسيطر على التلال والمرتفعات المحيطة بالمنطقة، ومنها قلعة الشقيف؛ لضمان التفوق الميداني والإشراف على محيطها.
وعن القطاعات التي تكشفها القلعة، قال: «هي تشرف مباشرة على يحمر الشقيف، وزوطر الشرقية، وزوطر الغربية، وكفرتبنيت والنبطية الفوقا، وكل هذه المناطق مكشوفة من القلعة».
وأضاف: «كما أنها تؤمّن حماية للقوات الموجودة في محوري يحمر وزوطر، وتشكل غطاءً للقوات المنتشرة في الطيبة ودير سريان والقنطرة، وفي كامل هذا القطاع».
وأكد ياسين أن القيمة العسكرية للقلعة ترتبط أيضاً بطبيعتها الدفاعية، موضحاً: «إذا تمكنت أي قوة مقاومة من التسلل إلى القلعة وامتلاك صواريخ مضادة للدروع فيها، فسيصبح من الصعب جداً إخراجها منها أو تدميرها؛ بسبب الطبيعة الجغرافية للموقع».
وأشار إلى أن إسرائيل واجهت هذه المشكلة سابقاً خلال مرحلة الوجود الفلسطيني المسلح في الجنوب، قائلاً: «الإسرائيلي حاول مرات كثيرة تدمير القلعة أيام الفلسطينيين، لكنه لم ينجح بسبب طبيعتها الجغرافية».
وأضاف أن الموقع يضم ممرات وأنفاقاً تاريخية قديمة، موضحاً: «في القلعة أنفاق تصل إلى نهر الليطاني في الأسفل، وهي موجودة منذ أيام الصليبيين، وليست أنفاقاً مستحدثة؛ ما يمنح الموقع قيمة دفاعية إضافية».
السيطرة على القلعة لا تعني السيطرة على المجال المحيط بهامن جهته، أكد العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال لـ«الشرق الأوسط» أن قلعة الشقيف تمثل إحدى أهم العقد العسكرية والجيوبوليتيكية في جنوب لبنان؛ نظراً لموقعها الاستراتيجي المشرف على نهر الليطاني ومحور النبطية – مرجعيون وأجزاء واسعة من أرنون، وكفرتبنيت، ويحمر، وزوطر والقطاع الشرقي من الجنوب؛ ما يجعلها «عقدة حاكمة» تمنح من يسيطر عليها قدرة كبيرة على الرصد والتوجيه والتحكم بخطوط الحركة والإمداد.
وأوضح أن «العقيدة العسكرية الإسرائيلية تنظر إلى الشقيف بصفتها نقطة أساسية لتحقيق التفوق البصري والاستخباري الذي يشكل جزءاً من التفوق الناري؛ إذ تتيح مراقبة التحركات بين جنوب الليطاني وشماله، ورصد خطوط الانتقال نحو البقاع الغربي وإقليم التفاح، فضلاً عن مراقبة بيئة عمل المسيّرات الانقضاضية والطائرات من نوع FPV».
وأضاف أن القلعة «تسمح بمراقبة المعابر والمسارات المرتبطة بنهر الليطاني الذي تنظر إليه إسرائيل بوصفه خطاً دفاعياً وعملياتياً؛ ما يفسر ارتباط الشقيف بأرنون، والخردلي ومحاور مرجعيون – النبطية ضمن شبكة جغرافية واحدة هدفها التحكم بالحركة العسكرية والبشرية».
وأشار إلى أن أي «قوة مقاومة تتموضع بحرية في محيط الشقيف تمتلك أفضلية تكتيكية في المناورة الصاروخية وإدارة الكمائن وإخفاء البنى القتالية داخل التضاريس الجبلية؛ الأمر الذي يجعل المنطقة مصدراً دائماً للقلق الأمني الإسرائيلي».
وعدَّ أنّ «إسرائيل تستطيع نظرياً الوصول إلى محيط الشقيف عبر الغطاء الجوي والتدمير المسبق والقوات الخاصة، إلا أن الفارق كبير بين الوصول والسيطرة المستقرة؛ لأن تثبيت السيطرة يتطلب خطوط إمداد آمنة وتحييد محيط القلعة نارياً ومنع الالتفافات والكمائن وضمان التفوق الدائم في الرصد، وهي شروط يصعب تحقيقها في منطقة مترابطة جغرافياً مع أرنون، ويحمر، وزوطر، وإقليم التفاح والوديان المؤدية إلى الليطاني».
ورأى أن أي تموضع إسرائيلي ثابت في المنطقة سيبقى عرضة للاستنزاف بفعل طبيعة الأرض وتطور القدرات اللاتماثلية، وقد يقود إلى استنزاف طويل الأمد وإعادة إنتاج نموذج «الشريط الأمني» بصيغة أكثر هشاشة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :