Arabnews24 | اخبار كندا

ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 22 مايو 2026 08:03 مساءً لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته في قمة «مجموعة السبع» في منتجع إيفيان الجبلي الفرنسي، بين 15 و17 يونيو (حزيران)، خبراً بروتوكولياً عادياً. فالرئيس الذي يدخل القمة وهو على خلاف متراكم مع معظم الحلفاء الأوروبيين، لا يذهب فقط إلى لقاء اقتصادي وسياسي سنوي. بل يدخل إلى منصة ستقيس ما إذا كان الصدع الأطلسي قابلاً للترميم، أم أن الخلاف حول إيران والتجارة والصين وأوكرانيا وغرينلاند كشف عن تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وأوروبا. وفق بيان البيت الأبيض، فإن واشنطن تريد من القمة بناء توافقات حول الذكاء الاصطناعي، والتجارة، وسلاسل المعادن الحرجة، والهجرة، ومكافحة المخدرات، والطاقة؛ بيد أن «حرب إيران» ستبقى في خلفية كل الملفات؛ لأنها باتت الامتحان الأكثر حساسية لمعنى التحالف نفسه. ثم إن هذه الحرب تضع القمة في إطار أوسع، هو أزمة الثقة بين «ضفتي» الأطلسي، حيث تطالب واشنطن الأوروبيين بمجاراة قرارها الاستراتيجي، بينما يردّ الأوروبيون بخطاب الشرعية الدولية والحذر من «التورط» العسكري.

اختيار فرنسا استضافة القمة في إيفيان، وسعي الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إغراء ترمب بعشاء فخم محتمل في فرساي، يعكسان محاولة أوروبية قديمة لاستعمال الرمزية والضيافة والوجاهة التاريخية في تليين مزاج الرئيس الأميركي. لكن المشكلة أن الخلاف لم يعد خلاف أسلوب؛ فواشنطن تريد تحويل «مجموعة السبع» إلى أداة اصطفاف حول أجندة أميركية صريحة تشمل: تصدير أدوات الذكاء الاصطناعي الأميركية، وتخفيف قبضة الصين على المعادن الحرجة، وربط المساعدات بالتجارة، ورفع إنتاج الطاقة الأحفورية، وتشديد العقوبات على إيران. وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قال، خلال اجتماع وزراء مالية «المجموعة» في باريس، إن «سحق تهديد الإرهاب» يتطلب من الحلفاء أن «ينهضوا وينضموا إلينا»، داعياً إلى الالتزام بنظام العقوبات ضد التمويل الذي يغذّي «آلة الحرب الإيرانية».

هذا يعني أن القمة لن تكون بالضرورة قمة «رأب صدع»، بل ربما قمة «إدارة» للصدع؛ إذ إن الأوروبيين يستطيعون منح ترمب صوراً دبلوماسية وعبارات عن الشراكة، لكنهم لا يستطيعون بسهولة منحه ما يريده فعلاً... وهو التفويض السياسي الأوروبي لشن حرب مفتوحة ضد إيران، أو «شيكاً على بياض» في التجارة، أو قبولاً بأن يتحوّل الأمن الأوروبي إلى «ورقة ضغط» في يد البيت الأبيض، كلما اختلف الحلفاء مع واشنطن.

إيران بين الرفض والتشدد الأوروبي

المفارقة أن أوروبا لم تكن تاريخياً «ناعمة» تجاه إيران في كل الملفات؛ ففي البرنامج النووي، والصواريخ، ودور «الحرس الثوري»، وملفات حقوق الإنسان، تبنّت عواصم أوروبية عديدة مواقف قريبة من التشدد الأميركي، وأحياناً أكثر تفصيلاً منه. لكن الفارق بين التشدّد الدبلوماسي والدخول في حرب، واسع جداً. لذلك تمسكت العواصم الأوروبية بخط يفصل بين إدانة طهران والمشاركة في عملية عسكرية تقودها واشنطن وتل أبيب.

في ملف مضيق هرمز، وافق وزراء خارجية «مجموعة السبع» على مبدأ حماية حرية الملاحة، لكنهم جعلوا أي مهمة لتأمين المضيق مشروطة بانتهاء الحرب، لا جزءاً منها. ولقد تكلّم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن «توافق واسع» على حماية «الصالح العام» المتمثل في حريّة الملاحة، لكنه لم يمنح واشنطن ما طلبته، وهو مساهمة أوروبية فورية في فرض ممرات آمنة خلال الحرب.

بحسب «يورونيوز»، السبب هو أن أوروبا تخشى أن يؤدي إرسال سفنها إلى هرمز، تحت المظلة الأميركية، إلى تحويلها من طرف متضرّر اقتصادياً إلى طرف مشارك عسكرياً، بما يفتح الباب أمام ضربات إيرانية أو صدامات بحرية أو أزمة سياسية داخلية في برلماناتها.

أيضاً سؤال «ماذا بعد الحرب؟» يثقل الحسابات الأوروبية؛ فالدول التي عاشت تجارب أفغانستان والعراق وليبيا تعرف أن التفوق العسكري الأميركي قادر على إسقاط التوازنات، لكنه لا يضمن، بل ربما لا يسعى حتى إلى، «هندسة بدائل سياسية مستقرة» وفق المحللين. لذا يرفض الأوروبيون أن يكونوا «شهود زور»ٍ على حرب لا يملكون قرار بدايتها ولا قرار نهايتها، ثم يُطلب منهم لاحقاً دفع فواتير إعادة الاستقرار واللاجئين والطاقة.

أزمة مضيق هرمز أبرزت أيضاً الفارق بين امتلاك المصلحة وامتلاك القدرة

«هرمز» اختلال القوة... لا وحدة المصالح

أزمة مضيق هرمز أبرزت أيضاً الفارق بين امتلاك المصلحة وامتلاك القدرة. أوروبا، بلا شك، متضرّرة من اضطراب الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، لكنها ليست القوة البحرية الحاسمة في الخليج.

في المقابل، ترى واشنطن أن على مَن يستفيد من عبور النفط والغاز عبر المضيق أن يشارك في حمايته. وهنا يردّ الأوروبيون - ضمناً - بأن الولايات المتحدة هي التي اختارت توسيع الحرب. وبالتالي، فإن المساهمة الأوروبية بعد اندلاعها تعني قبولاً بالاستراتيجية الأميركية لا مجرّد دفاع عن الملاحة.

وتزداد الحسابات تعقيداً مع سعي إيران لترسيخ نفوذ عملي في المضيق، عبر آليات تفتيش وتصاريح و«رسوم» غير رسمية أحياناً، وباتت تميز بين سفن مرتبطة بدول صديقة مثل الصين وروسيا، وأخرى مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل. وبحسب «رويترز»، هذا الأمر يجعل أي عملية بحرية غربية معرّضة للتحول من مهمة حماية إلى مواجهة مباشرة مع «الحرس الثوري».

من هنا لا يبدو الامتناع الأوروبي مجرد جبن استراتيجي، كما يراه ترمب، بل حساباً بارداً للكلفة.

أوروبا طبعاً لا تريد أن تخسر التجارة مع واشنطن، ولا تريد صدمة نفطية، ولا تريد انتصاراً إيرانياً، لكنها أيضاً لا تريد أن تدخل حرباً أميركية من دون إجماع داخلي أو تفويض واضح أو تصوّر للنهاية.

التجارة وغرينلاند... شراكة أم مساومة؟

من جهة ثانية، الخلاف العسكري لا ينفصل عن الخلاف التجاري؛ إذ توصل الاتحاد الأوروبي أخيراً إلى اتفاق تشريعي أولي لتطبيق التفاهم التجاري الذي أُبرم مع ترمب في يوليو (تموز) 2025، بما يشمل خفض رسوم على سلع أميركية وتجنب تصعيد أميركي جديد، خصوصاً تهديدات الرسوم على السيارات الأوروبية. لكن الاتفاق لا يزال يحتاج إلى تصويت نهائي في البرلمان الأوروبي بحلول منتصف يونيو (حزيران)، أي بالتزامن تقريباً مع «قمة السبع».

هذا التزامن مهم؛ فالأوروبيون يدخلون القمة وهم يحاولون تثبيت هدنة تجارية لا يثقون تماماً بأنها ستصمد. ونقلت «رويترز» عن أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، أن الاتفاق «يعكس رغبة في إظهار أوروبا كشريك موثوق، لكنها تحمل أيضاً رسالة مضادة لترمب هي: لا يمكن إدارة العلاقة عبر التهديد الدائم».

أما غرينلاند فكانت لحظة كاشفة؛ فحين لوّح ترمب بالضغط على الدنمارك وأوروبا في ملف الجزيرة، علّق البرلمان الأوروبي العمل على تشريعات الصفقة، واعتبر لانغه أن السيادة ووحدة الأراضي ليستا تفصيلاً تجارياً. وهنا اصطدمت أوروبا مجدداً بسؤالها الأصعب: كيف تتعامل مع رئيس أميركي يمزج الأمن بالتجارة، والحلف بالعقوبة، والصفقة بالولاء السياسي؟

ومن ثم تحوّلت غرينلاند إلى نموذج مكثّف لهذا التحول في العلاقة الأطلسية. فالجزيرة، التابعة للدنمارك والمتمتعة بحكم ذاتي، لم تعد هامشاً بعيداً قرب القطب الشمالي، بل صارت عقدة استراتيجية بسبب موقعها ومواردها من المعادن النادرة والطاقة، وسط تنافس أميركي - صيني - روسي متصاعد.

لذلك ضاعف الاتحاد الأوروبي مساعداته لها، واندفع نحو استثمارات وشراكات أوسع، في محاولة لاحتواء مساعي واشنطن إلى توسيع حضورها العسكري والتجاري هناك. ومن منظور بروكسل، لم يعد ملف غرينلاند مجرد خلاف مع ترمب، بل اختباراً لقدرة أوروبا على حماية مجالها الاستراتيجي من داخل التحالف نفسه.

واشنطن تريد «بلير» جديداً

إبّان حربي أفغانستان والعراق، لعب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير دور الجسر بين واشنطن وأوروبا. وصحيح أنه لم يستطع إلغاء الخلاف، لكنه منح واشنطن غطاءً غربياً مهماً، ومنح الأوروبيين قناة تأثير داخل القرار الأميركي. أما اليوم، وفق تحليل «المجلس الأطلسي» (أتلانتيك كاونسل)، فلا يظهر زعيم أوروبي قادر على أداء الدور نفسه. رئيس الوزراء البريطاني الحالي كير ستارمر لا يتمتع بـ«كاريزما» بلير الأطلسية، ولا يتمتع بتفويض شعبي لدخول حرب شرق أوسطية جديدة، وبخاصة بعد رفض لندن استخدام قواعد بريطانية في مهام هجومية ضد إيران. وردّ ترمب عليه بعبارة: «هذا ليس وينستون تشرتشل».

حتى الزيارة الرسمية للملك تشارلز إلى واشنطن عدّها البعض محاولة لاستخدام «القوة الناعمة» الملكية لترميم العلاقة الخاصة. لكن الملكية لا تستطيع تعويض غياب قرار سياسي.

خطاب العرش والرمزية التاريخية قد يثيران إعجاب ترمب لحظة، لكنهما لا يغيران حقيقة أن التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي بات أميركياً بصورة لا تسمح للأوروبيين بمخاطبة واشنطن من موقع الواعظ الحضاري.

وهنا تكمن هشاشة الخطاب الأوروبي: فهو يستند إلى القيم والتاريخ والقانون الدولي، لكنه يحتاج إلى قوة صلبة كي لا يبدو مجرد اعتراض أخلاقي على قرارات تصنعها واشنطن وحدها.

في ألمانيا، بدا الخلاف أكثر حدة؛ إذ أعلنت واشنطن خفضاً في الوجود العسكري الأميركي في أوروبا بنحو 5 آلاف جندي، وسط توترات مع الحلفاء حول «حرب إيران». وبعدما أعلنت أنها ألغت أيضاً نشر وحدات إلى بولندا، عاد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى التأكيد على أن نشر 4 آلاف جندي في بولندا تأجّل ولم يُلغَ، لكنه شدّد على وجوب أن تعتمد أوروبا على نفسها.

ويوم الثلاثاء أكد «البنتاغون» بالفعل خفض عدد ألوية القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا من أربعة إلى ثلاثة (يضم اللواء المقاتل من 4 آلاف إلى 4700 جندي)، ليعود الانتشار إلى مستويات عام 2021، في ظل ضغوط واشنطن المتواصلة على القارة لتعزيز دفاعاتها.

هذه الرسالة مفادها أن المظلة الأميركية لم تعد مجرد التزام أمني، بل صارت أداة تذكير للأوروبيين بأن رفضهم مسايرة واشنطن له ثمن.

وهكذا، يرى محللون أن قمة إيفيان قد تنتج صوراً ودية وبيانات عن الشراكة، وربما تساعد في تثبيت هدنة تجارية أو تقليل حدة الخطاب، لكنها لن تحل المعضلة البنيوية، وهي - أي واشنطن - تريد حلفاء يتحركون خلف قيادتها في لحظات الحسم، وأوروبا تريد شراكة تمنحها حق الاعتراض من دون خسارة الحماية. وبين هذين التصوّرين تتسع الفجوة. وإذا لم تجد أوروبا زعامة قادرة على الجمع بين القوة والمرونة، وإذا لم تقبل واشنطن بأن التحالف ليس أمراً تنفيذياً يصدر من البيت الأبيض، فإن «قمة السبع» لن تكون بداية ترميم الثقة، بل محطة جديدة في انتقال العلاقة الأطلسية من «العائلة السياسية» إلى «المساومة الاستراتيجية». أزمة مضيق هرمز أبرزت أيضاً الفارق بين امتلاك المصلحة وامتلاك القدرة

 

 

 

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :