اخبار العرب -كندا 24: الخميس 7 مايو 2026 01:03 مساءً سرطان المبيض ليس مجرد مرض يصيب عضواً محدداً في جسد المرأة، بقدر ما يثير من ضجة وقلق كبيرين لديها، كونه من أكثر الأورام النسائية مراوغةً وصمتاً في بداياته، فهو حالة صحية معقّدة تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع بأسره.
وحين تُصاب المرأة، وهي محور التوازن الصحي والنفسي داخل الأسرة، بمرضٍ يتسم بالغموض والتأخر في الاكتشاف، فإن ذلك ينعكس على جودة الحياة، والاستقرار الأسري، وحتى العبء الاقتصادي على النظام الصحي. ويظل سرطان المبيض تحدياً حقيقياً؛ لا للأطباء فحسب، بل للنساء أنفسهن، نظراً لتشابه أعراضه مع اضطرابات يومية بسيطة قد لا تستدعي الانتباه. ومن هنا تبرز أهمية تسليط الضوء على هذا المرض؛ لا من منظور طبي فقط، بل أيضاً من زاوية إنسانية ومجتمعية أوسع.
سرطان المبيض
• سرطان خطير: تشير أحدث بيانات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC/Globocan 2022) التابعة لـ«منظمة الصحة العالمية»، إلى أن عدد الإصابات الجديدة بسرطان المبيض يتجاوز 300 ألف امرأة سنوياً، مع أكثر من 200 ألف حالة وفاة، ما يجعله أحد أنواع السرطان ذات معدلات البقاء على قيد الحياة الأقل، حيث يُقدر أن 45 في المائة فقط من النساء المصابات بسرطان المبيض، من المرجح أن يبقين على قيد الحياة لأكثر من 5 سنوات. بينما يبقى نحو 89 في المائة من مرضى سرطان الثدي على قيد الحياة لمدة 5 سنوات أو أكثر، وفقاً للموقع الرسمي لليوم العالمي لسرطان المبيض (world-رovarian-cancer-day).
وتكمن خطورة سرطان المبيض وأهميته في كونه مختلفاً عن باقي أنواع السرطان عند النساء من حيث موقعه العميق داخل الحوض، ونموه دون أن يُحدث تغيرات واضحة في المراحل الأولى. وعلى عكس بعض السرطانات الأخرى التي يمكن اكتشافها عبر برامج فحص مبكر فعّالة، لا يوجد حتى الآن برنامج مسح شامل (Screening) معتمد على نطاق عالمي واسع للكشف المبكر عن هذا المرض لدى عموم النساء، مما يؤدي إلى نتائج سيئة.
وتُظهر البيانات الوبائية وتقارير منظمة «الصحة العالمية»، أن نسبة كبيرة من الحالات تُشخَّص في مراحل متقدمة، وهو ما ينعكس سلباً على فرص العلاج والبقاء. فكلما تأخر التشخيص، ازدادت احتمالية انتشار الورم خارج المبيضين إلى تجويف البطن أو الأعضاء المجاورة.
• الأعراض: «بسيطة» لكنها ذات دلالات مهمة. ومن أبرز التحديات في التعامل مع سرطان المبيض أن أعراضه الأولية تكون بسيطة، وغير نوعية (Non-specific)؛ أي أنها قد تتشابه مع أعراض اضطرابات هضمية أو بولية شائعة. ومن أهم هذه الأعراض:
- الانتفاخ المستمر أو الشعور بامتلاء البطن.
- ألم في الحوض أو أسفل البطن.
- الشعور السريع بالشبع.
- تغيّر في عادات التبول (زيادة الإلحاح أو التكرار).
- اضطرابات في الجهاز الهضمي مثل الإمساك.
تكمن المشكلة في أن كثيراً من النساء قد يتجاهلن هذه الأعراض، أو يفسرنها على أنها نتيجة توتر أو تغيّر في نمط الغذاء. غير أن الجمعيات العلمية ومراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها الاميركية (CDC)، توصي بأهمية مراقبة هذه الأعراض، وأنه يجب أن تكون «جديدة» على المرأة، وأن تحدث بشكل متكرر ومستمر (شبه يومي) لأكثر من أسبوعين، ما يستدعي مراجعة الطبيب دون تأخير.
• عوامل الخطر: مَن هنَّ الأكثر عرضة للإصابة؟ هناك مجموعة من عوامل الخطر التي تزيد من احتمالية الإصابة، من أبرزها:
- التقدم في العمر، حيث تزداد نسبة الإصابة بعد سن الخمسين.
- العامل الوراثي، خصوصاً وجود طفرات في جينات مثل «BRCA1» و«BRCA2»، وهي الجينات نفسها المرتبطة بسرطان الثدي.
- وجود تاريخ عائلي للإصابة بسرطان المبيض أو الثدي.
- عدم الإنجاب أو تأخر الحمل.
- بعض الحالات المرتبطة بزيادة عدد مرات التبويض خلال الحياة.
- تشير المصادر الطبية مثل «Mayo Clinic» و«CDC»، إلى أن بطانة الرحم المهاجرة (Endometriosis) تزيد من خطر الإصابة بأنواع معينة من سرطان المبيض.
وفي هذا السياق، تؤكد الدراسات الطبية المنشورة أن النساء الحاملات للطفرات الجينية المذكورة قد يستفدن من برامج متابعة خاصة أو تدخلات وقائية، كما تُعدّ الرضاعة الطبيعية واستخدام وسائل منع الحمل الهرمونية لفترات معينة (5 سنوات أو أكثر)، من العوامل التي قد تسهم في تقليل خطر الإصابة.
• التشخيص: لماذا يكون التشخيص متأخراً في أكثر الحالات؟ رغم التطور الكبير في وسائل التصوير الطبي مثل الأشعة فوق الصوتية (Ultrasound) والتصوير المقطعي، إلى جانب اختبارات الدم مثل «CA-125»، فإنها لا تزال غير كافية بوصفها أدوات فحص مبكر عامة، بل تُستخدم غالباً في تقييم الحالات المشتبه بها.ويجدر التأكيد هنا على أن «اختبار بابانيكولاو» (Pap Smear Test) المخصص لسرطان عنق الرحم، لا يكشف عن سرطان المبيض. وهذه مغالطة شائعة يجب التنبيه عليها علمياً لضمان عدم شعور النساء بطمأنينة زائفة عند إجراء فحص عنق الرحم.
وهنا تبرز أهمية الوعي الصحي؛ ليس فقط لدى النساء، بل أيضاً لدى مقدمي الرعاية الصحية في الخط الأول؛ مثل أطباء الأسرة، الذين يلعبون دوراً محورياً في ربط الأعراض المتفرقة بالصورة السريرية الكاملة.
العلاج والوقاية
• العلاج: يعتمد علاج سرطان المبيض على خطة متكاملة تُحدَّد وفق مرحلة المرض، ونوع الورم، والحالة الصحية العامة للمريضة، وغالباً ما تُناقش ضمن فريق طبي متعدد التخصصات.
- الجراحة: تُعدّ حجر الأساس في معظم الحالات، وتهدف إلى إزالة أكبر قدر ممكن من الورم (الاستئصال الأمثل)، لأن تقليل الكتلة الورمية يرتبط بتحسن واضح في نتائج العلاج. وفي بعض الحالات المتقدمة، قد يُسْبَقُ التدخل الجراحي بعلاج كيميائي لتصغير حجم الورم.
- العلاج الكيميائي: يُستخدم عادةً بعد الجراحة للقضاء على الخلايا المتبقية، أو قبلها في حالات محددة. ويعتمد على أدوية تستهدف الخلايا سريعة الانقسام، وقد أسهمت بروتوكولات العلاج الحديثة في تحسين فاعليته وتقليل آثاره الجانبية.
- العلاج الموجّه (Targeted Therapy): يمثل تطوراً مهماً، إذ يتجه العلاج اليوم نحو «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث يتم تحليل الخصائص الجينية للورم نفسه لتحديد مدى استجابة المريضة للعلاجات الموجهة مثل مثبطات «PARP»، وفق ما ورد بدراسات منشورة في «ذي لانست أونكولوجي» (The Lancet Oncology).
- العلاج المناعي: لا يزال دوره محدوداً نسبياً في سرطان المبيض، لكنه يُستخدم في حالات مختارة، مع استمرار الأبحاث لتوسيع نطاق الاستفادة منه.
- المتابعة (جزء أساسي في العلاج): لا ينتهي علاج سرطان المبيض بانتهاء الجراحة أو جلسات العلاج؛ بل يتطلب متابعة دقيقة وطويلة الأمد؛ تشمل الفحوصات الدورية، وتحاليل الدم، والتصوير الطبي عند الحاجة، وذلك للكشف المبكر عن أي عودة محتملة للمرض (Recurrence)، والتي تُعدّ من التحديات المعروفة في هذا النوع من السرطان.
• سبل الوقاية والمتابعة للأشخاص ذوي الخطورة العالية: تُصنف النساء ضمن فئة الخطورة العالية إذا كنّ يحملن طفرات جينية محددة مثل «BRCA1» و«BRCA2»، أو لديهن تاريخ عائلي قوي للإصابة بسرطان المبيض أو الثدي. وعليهن اتباع سبل وقاية تشمل مسارات طبية متخصصة:
- الاستشارة الوراثية: تُعدّ الخطوة الأولى والأساسية، حيث تسهم في تحديد مستوى الخطر الجيني بدقة.
- برامج المتابعة الخاصة: وهي تهدف إلى المراقبة اللصيقة للحالة الصحية، مما يساعد في التدخل المبكر.
- التدخلات الوقائية الجراحية: تشمل إزالة المبيضين، ويُنصح بهذا الخيار غالباً بعد استكمال المرأة لخططها في الإنجاب.
- التقييم الطبي الفردي: للحالة الصحية والبيولوجية للمرأة عند اتخاذ قرار التدخلات الوقائية الجراحية أو البرامج الخاصة.
- التوعية بالخيارات المتاحة: تهدف التوجهات الحديثة واليوم العالمي لسرطان المبيض، إلى تمكين المرأة «عالية الخطورة» بالمعرفة اللازمة حول هذه الخيارات، لضمان عدم بقاء أي امرأة دون رعاية وقائية مناسبة.
اليوم العالمي لسرطان المبيض
يُصادف «الثامن» من مايو (أيار) من كل عام، اليوم العالمي لسرطان المبيض (World Ovarian Cancer Day «WOCD»)، وهي مناسبة تهدف إلى رفع مستوى الوعي بهذا المرض، وتعزيز ثقافة الانتباه المبكر، ودعم الجهود البحثية والعلاجية على مستوى العالم. وتؤكد الحملات العالمية في هذا اليوم، أن رسالتها الأساسية ليست إثارة القلق؛ بل تمكين المرأة بالمعرفة.
وبهذه المناسبة، رفع ائتلاف سرطان المبيض العالمي (World Ovarian Cancer Coalition, WOCC) شعار «لا امرأة منسية» (No Woman Left Behind)، داعياً إلى ضمان وصول التقدم في علاج سرطان المبيض إلى كل امرأة، في كل مكان. وهذا يعكس الالتزام الثابت بالعدالة في نتائج سرطان المبيض بجميع أنحاء العالم، وأنه لا ينبغي تجاهل أعراض أي امرأة، ولا ينبغي لأي امرأة أن تواجه تأخيراً غير ضروري في التشخيص؛ فلا حرمان لأي امرأة من الرعاية الصحية الجيدة، أينما كانت.
وفي ظل غياب أدوات فحص مبكر فعّالة، يبقى الوعي الصحي هو خط الدفاع الأول. ففهم المرأة لطبيعة الأعراض، وعدم تجاهلها للبسيطة منها، ومبادرتها بطلب الاستشارة الطبية في الوقت المناسب، كلها عوامل قد تُحدث فارقاً حاسماً في مسار المرض.
كما أن دور طبيب الأسرة يظل محورياً في الربط بين الأعراض غير النوعية والسياق السريري العام، وقد يكون مفتاحاً لتقليل فجوة التشخيص المتأخر. فكل حالة تُكتشف مبكراً تمثل فرصة حقيقية لتحسين النتائج وتقليل العبء الصحي والإنساني.
في النهاية، يبقى سرطان المبيض أحد أبرز التحديات الصحية التي تواجه المرأة ومقدمي الرعاية الصحية على حدٍ سواء؛ ليس فقط لطبيعته الصامتة، بل أيضاً لتعقيداته التشخيصية والعلاجية وضرورة التشخيص والعلاج المبكر.
وما يبعث الأمل في النفوس هو التحول المهم الذي شهدته السنوات الأخيرة في فهم وعلاج سرطان المبيض؛ إذ لم يعد التركيز ينصب فقط على إزالة الورم، بل امتد ليشمل فهم الخصائص البيولوجية والجينية للمرض واختيار العلاج الأنسب بناءً عليها. وبينما لا يزال التحدي قائماً، فإن التقدم العلمي يمنح المريضات اليوم، فرصاً أفضل للعلاج والسيطرة على المرض مقارنة بما كانت عليه الحال في السابق.
وبين صمت الأعراض وضجيج المعاناة من المرض، يبقى الوعي هو الصوت الأهم والركيزة الأساسية لتحسين النتائج والحد من أثر هذا المرض على الفرد والمجتمع.
* استشاري طب المجتمع
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :