Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 8 أبريل 2026 02:03 مساءً المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً - ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :