اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 25 مارس 2026 03:03 مساءً لكل شيء نهاية. حتى محمد صلاح، الذي كان رمزاً للنجاح مع فريق ليفربول الإنجليزي لكرة القدم على مدار ثمانية أعوام ونصف العام، لا يمكنه الاستمرار إلى الأبد. وفاجأ النجم الدولي المصري عالم الساحرة المستديرة بإعلانه الرحيل عن قلعة أنفيلد بنهاية الموسم الحالي، ورغم أن توقيت إعلان صلاح كان مفاجئاً، فإن الأشهر القليلة الماضية بدت وكأنها تمهد الطريق لرحيله الأخير عن ليفربول.
وقبل أقل من أربعة أشهر، بدأت الشكوك تحوم حول المستقبل القريب لـ(الفرعون المصري)، فبعد تعادل ليفربول 3 - 3 مع مضيفه ليدز يونايتد، صرح للصحافيين بأنه «تمت التضحية به» وسط تراجع مستوى الفريق. وبدا الوضع في البداية ميؤوساً منه وبلا حل، ولكن بعد استبعاده من قائمة ليفربول التي سافرت لملاقاة إنتر ميلان الإيطالي ببطولة دوري أبطال أوروبا، عاد صلاح لاحقاً إلى الفريق الأحمر. ويعدّ التوصل إلى حل ودي لخلاف صلاح مع ليفربول دليلاً على قوة قائد منتخب مصر الذهنية، وكذلك على صلابة الهولندي آرني سلوت، المدير الفني لحامل لقب الدوري الإنجليزي الممتاز. وعاد صلاح ليصبح لاعباً أساسياً في تشكيلة ليفربول بعد مشاركته مع منتخب بلاده في كأس الأمم الأفريقية الأخيرة التي اختتمت في المغرب في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل أن يضطر للغياب عن آخر لقاءات الفريق ضد مضيفه برايتون بسبب إصابة عضلية.
ولو تم الاستغناء عن النجم المخضرم (33 عاماً) خلال فترة الانتقالات الشتوية الماضية، لكان ذلك بمثابة نهاية مفاجئة وغير لائقة لأحد أعظم أساطير ليفربول على مر تاريخ النادي العريق، لتصبح الفرصة الآن متاحة للجماهير لتوديع صلاح بالشكل الذي يستحقه. وقال صلاح في فيديو بثه عبر منصة «إكس»: «لسوء الحظ، لقد جاء هذا اليوم... سأغادر ليفربول بنهاية هذا الموسم». وأضاف: «أردت أن أبدأ بالقول إنني لم أتخيل يوماً إلى أي مدى سيصبح هذا النادي، وهذه المدينة، وهؤلاء الناس، جزءاً من حياتي. ليفربول ليس مجرد نادٍ لكرة القدم. إنه شغف. إنه تاريخ. إنه روح. لا أستطيع أن أشرح ذلك بالكلمات لأي شخص ليس جزءاً من هذا النادي. احتفلنا بالانتصارات. فزنا بأهم البطولات، وقاتلنا معاً خلال أصعب فترة في حياتنا». ووجه صلاح رسالة مؤثرة إلى الجماهير، قائلاً: «لا تكفيني الكلمات. الدعم الذي قدمتموه لي خلال أفضل فترات مسيرتي، ووقوفكم إلى جانبي في أصعب الأوقات، أمر لن أنساه أبداً، وسأتذكره دائماً. الرحيل ليس سهلاً أبداً. منحتموني أفضل فترة في حياتي. سأبقى دائماً واحداً منكم. هذا النادي سيكون دائماً بيتي، لي ولعائلتي».
ومن المؤكد أن هذا الشعور متبادل، فمنذ انضمام صلاح لليفربول قادماً من روما الإيطالي في يونيو (حزيران) عام 2017، حفر المهاجم المصري اسمه بقوة في سجلات تاريخ أنفيلد، حيث يحتل المركز الثالث حالياً في قائمة هدافي النادي عبر التاريخ، برصيد مذهل بلغ 255 هدفاً في 435 مباراة بمختلف المسابقات، ولم يتجاوزه في عدد الأهداف المسجلة للنادي في تاريخه الطويل سوى إيان راش وروجر هانت. ولا تزال الفرصة قائمة أمام صلاح من أجل تعزيز أرقامه التهديفية، خاصة أنه سيحظى بفرصة ارتداء قميص ليفربول في 15 مناسبة أخرى كحد أقصى حتى نهاية الموسم الحالي. وتوج صلاح بثمانية ألقاب كبرى، من بينها لقبان في الدوري الإنجليزي الممتاز ولقب دوري أبطال أوروبا عام 2019، وخلال مسيرته مع ليفربول، سجل 189 هدفاً وقدم 92 تمريرة حاسمة لزملائه في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو أعلى رقم من المساهمات التهديفية لأي لاعب مع نادٍ واحد في تاريخ البطولة.
وتستحق الجوائز الفردية التي حصدها صلاح خلال مسيرته مع ليفربول الإشادة أيضاً، بدءاً من رقمه القياسي الذي يتقاسمه مع النجم الفرنسي المعتزل تيري هنري بالفوز بجائزة (الحذاء الذهبي) كأفضل هداف في الدوري الإنجليزي الممتاز 4 مرات، وصولاً إلى تتويجه بجائزة أفضل لاعب في العام من رابطة اللاعبين المحترفين ثلاث مرات، في إنجاز لم يصل إليه أي من نجوم كرة القدم الإنجليزية عبر تاريخها. وعندما نشر مؤخراً المجري ميلوش كيركيز، لاعب ليفربول، صورة لخزانة جوائز صلاح على تطبيق «إنستغرام»، انتشرت نكتة على مواقع التواصل الاجتماعي مفادها أن صلاح يجمع جوائز أفضل لاعب في المباراة كما لو كان يحصل عليها من آلة بيع. وسيظل مشهد صلاح وهو يسجل هدفاً، ثم يركع ويسجد على الأرض خالداً في عقول وأذهان جميع محبي كرة القدم في العالم بصفة عامة ومشجعي ليفربول على وجه الخصوص. وكان تألق صلاح لافتاً لدرجة أنه يبدو الآن وكأنه لا يستطيع دخول أرض الملعب دون تحطيم رقم قياسي جديد، ومع ذلك، فإن تأثيره عظيم لدرجة أنه لا يمكن ولا ينبغي اختزاله في عدد المباريات التي لعبها والألقاب التي فاز بها فقط.
وعلى مدى السنوات التسع الماضية، أصبح صلاح ظاهرة ثقافية، بالنسبة لجيل كامل، وتتجاوز أهميته حدود الرياضة نفسها، ففي عام 2019، تصدر غلاف مجلة «تايم»، بعد أن تم تصنيفه ضمن قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم. وفي عام 2020، تم تكريم صلاح بتمثال شمعي له في متحف مدام توسو بالعاصمة البريطانية لندن، وفي العام التالي، خلصت دراسة تم نشرها في مجلة العلوم السياسية الأميركية إلى أن انتقال صلاح لليفربول قد ساهم في خفض جرائم الكراهية في المدينة بنسبة 16 في المائة بالإضافة إلى الحد من الخطاب المعادي للإسلام على الإنترنت.
ولا تكاد تخلو منطقة في ميرسيسايد من بصمة مهاجم ليفربول، سواء من خلال عمل فني متقن في الشارع أو من خلال رؤية طفل يرتدي قميصاً يحمل اسمه، حيث أصبح صلاح جزءاً لا يتجزأ من نسيج المنطقة، وسيظل إرثه خالداً حتى بعد مغادرته ملعب أنفيلد. ومن الناحية الكروية، يمثل رحيل صلاح الوشيك فراغاً كبيراً يجب ملؤه في ليفربول. ولم ينجح صلاح في الارتقاء إلى مستوى معاييره العالية للغاية هذا الموسم، حيث إن رصيده الحالي البالغ 10 أهداف في 34 مباراة يجعله على الطريق لتحقيق أقل مواسمه إنتاجية بقميص ليفربول، ومع ذلك فإنه لا يزال من المستحيل تخيل ليفربول دونه.
ومن الناحية المالية، يحمل هذا الرحيل تداعيات إيجابية وسلبية على النادي في آن واحد، حيث أفادت مصادر لشبكة «إي إس بي إن» بأن صلاح سيرحل مجاناً، رغم توقيعه عقداً جديداً لمدة عامين مع ليفربول في أبريل (نيسان) الماضي. وبينما يعني الاتفاق مع ليفربول أن النادي لن يتمكن من استرداد رسوم انتقال كبيرة هذا الصيف، فإن رحيله المبكر سيعفي النادي من دفع راتبه الأسبوعي الباهظ الموسم المقبل، ما يوفر سيولة مالية حيوية لمواصلة إعادة بناء الفريق للسنوات المقبلة.
لكن الأهم من ذلك، فإن رحيل صلاح يعدّ أكبر مؤشر حتى الآن على أن حقبة ذهبية للنادي تحت قيادة الألماني يورغن كلوب، المدير الفني السابق لليفربول، تقترب من نهايتها. ورغم أن صلاح ليس أول من يغادر أنفيلد من المقربين لكلوب، فإنه بلا شك الأكثر شهرة، وسيوفر الموسم المقبل الفرصة لوجه جديد ليلعب دور النجم الأول في ليفربول. ولنعد إلى ما يقرب من 9 أعوام خلال أول مقابلة أجراها صلاح مع النادي وهو في الخامسة والعشرين من عمره، حيث قال: «سأبذل قصارى جهدي وأقدم كل ما لدي من أجل النادي. أنا سعيد لوجودي هنا، وأرغب بشدة في الفوز بلقب لهذا النادي».
وحقق محمد صلاح ذلك وأكثر بكثير، لكنه رغم ذلك لم ينته من مهمته بعد مع الفريق، الذي يسعى بشكل حثيث للمشاركة في المسابقات الأوروبية في الموسم المقبل، بالإضافة لبلوغه دور الثمانية في كل من مسابقتي دوري أبطال أوروبا وكأس الاتحاد الإنجليزي، فإن الموسم لا يزال في أوجه، ويأمل مشجعو الفريق أن يختتم نجمهم المحبوب مسيرته بإنجاز باهر. وإذا فاجأ ليفربول الجميع وحصد لقباً أو اثنين في الأشهر المقبلة، فسيكون ذلك ختاماً يليق بالملك المصري.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :