اخبار العرب -كندا 24: الخميس 19 فبراير 2026 12:51 مساءً مع دخول الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، يبدأ كثير من الناس في إعادة النظر في علاقتهم بأجسادهم وغذائهم ونمط حياتهم اليومي. فالصيام لا يُعد مجرد امتناع مؤقت عن الطعام والشراب، بل يمثل تجربة فسيولوجية وسلوكية متكاملة، تفرض على الجسم إيقاعاً مختلفاً، وقد تمنحه فرصة نادرة لاستعادة التوازن إذا ما أُحسن التعامل معها. وبينما ينشغل البعض بتجهيز موائد الإفطار، يغيب عن كثيرين أن الصيام، في جوهره، ممارسة صحية ذات أبعاد مثبتة علمياً، شرط أن يُمارس بوعي واعتدال.
ويُنظر إلى شهر رمضان، من منظور طبي، بوصفه فترة انتقالية تتغير فيها مواعيد النوم والطعام والنشاط البدني، ما يجعل الجسم في حالة تكيف مستمر. وقد يكون هذا التكيف إيجابياً، فينعكس تحسناً في بعض المؤشرات الصحية، أو سلبياً إذا ارتبط بعادات غذائية خاطئة وسلوكيات مرهقة. ومن هنا تبرز أهمية فهم العلاقة بين الصيام والصحة، لا بعدّها علاقة تلقائية، بل علاقة مشروطة بنمط الممارسة.
فرصة صحية
يتميّز شهر رمضان بكونه فرصة سنوية لإعادة ضبط العادات اليومية، وهو ما يجعله بيئة مناسبة لتبني سلوكيات صحية جديدة. فالتقليل الإجباري من عدد الوجبات، وتحديد أوقات الأكل، يمنحان الجهاز الهضمي فترات راحة منتظمة، ويساعدان الجسم على تحسين كفاءته الأيضية. وتشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن أنماط الصيام المتقطع، عندما تُمارس بطريقة سليمة، قد تسهم في تحسين التمثيل الغذائي، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتقليل الالتهابات المزمنة.
لكن هذه الفرصة قد تتحول إلى عبء صحي لدى البعض، خصوصاً إذا استُبدل بالحرمان المؤقت إفراط لاحق، أو أُهملت الاحتياجات الأساسية للجسم، مثل النوم الكافي والترطيب المنتظم. لذا فإن النظرة الصحية لرمضان يجب أن تقوم على التوازن، لا على القسوة أو التعويض المفرط.
• ماذا يحدث للجسم في أثناء الصيام؟ خلال ساعات الصيام، يعتمد الجسم في البداية على مخازن الغلوكوز (الغليكوجين) في الكبد والعضلات لتوفير الطاقة. وبعد استنفاد هذه المخازن، يبدأ في التحول التدريجي إلى استخدام الدهون كمصدر بديل للطاقة، وهي عملية تُعرف بالأيض الدهني. ويُعد هذا التحول من أبرز الفوائد الفسيولوجية للصيام، إذ يُسهم في تحسين حساسية الخلايا للإنسولين وتقليل تراكم الدهون الضارة.
كما تشير دراسات منشورة في دوريات طبية متخصصة، مثل The New England Journal of Medicine، إلى أن الصيام قد يحفّز عمليات الإصلاح الخلوي، ويعزز ما يُعرف بآلية «الالتهام الذاتي»، وهي عملية طبيعية يتخلص فيها الجسم من الخلايا التالفة، ما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة على المدى البعيد. ويُلاحظ كذلك تحسن في بعض المؤشرات الالتهابية، وانخفاض في مستويات بعض الدهون في الدم، لدى الصائمين الذين يلتزمون بنمط غذائي متوازن.
غير أن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائياً، إذ إن الإفراط في تناول السكريات والدهون المشبعة بعد الإفطار قد يُفقد الصيام أثره الإيجابي، بل وقد يؤدي إلى اضطرابات هضمية وزيادة في الوزن.
• متى يكون الصيام مساعداً على إنقاص الوزن ومتى يزيده؟ يستقبل كثير من الصائمين شهر رمضان وهم يتوقعون أن يؤدي الامتناع اليومي، لساعات محددة، عن الطعام والشراب إلى فقدان الوزن تلقائياً، غير أن هذا التصور لا يكون دقيقاً من الناحية الفسيولوجية. فالصيام لا يعمل بمعزل عن السلوك الغذائي ونمط الحياة اليومي، إذ إن فقدان الوزن يرتبط بشكل أساسي بتوازن الطاقة وتنظيم العمليات الأيضية داخل الجسم، وفي مقدمتها دور هرمون الإنسولين.
خلال ساعات الصيام تنخفض مستويات الإنسولين تدريجياً، ما يسمح للجسم بالانتقال من استخدام الغلوكوز إلى الاعتماد على مخازن الدهون كمصدر للطاقة، وهي آلية فسيولوجية تُعد أساس الفائدة الأيضية للصيام. وعندما يُمارس الصيام ضمن نمط غذائي متوازن، مع توزيع معتدل للوجبات، وتجنب الإفراط في السكريات، والحفاظ على نشاط بدني مناسب، تتحسن حساسية الخلايا للإنسولين، ويصبح الجسم أكثر كفاءة في حرق الدهون وتنظيم الشهية، وهو ما يتوافق مع ما تشير إليه منظمة الصحة العالمية وهيئات التغذية الدولية بشأن فوائد الصيام المتقطع عند تطبيقه ضمن إطار صحي غذائي وسلوكي متكامل.
في المقابل، تُفقد هذه الفائدة الأيضية عندما يُكسر الصيام بوجبات عالية السكر والدهون، إذ يؤدي الارتفاع الحاد في مستويات الغلوكوز بعد الإفطار إلى إفراز كميات كبيرة من الإنسولين، ما يدفع الجسم إلى تخزين فائض الطاقة على هيئة دهون. ويزداد هذا الأثر مع قلة الحركة واضطراب النوم، حيث تؤكد دراسات فسيولوجية متعددة أن السهر وقلة الراحة يُخلّان بتوازن الهرمونات المنظمة للجوع والشبع، ويزيدان من مقاومة الإنسولين، الأمر الذي قد يحوّل الصيام من فرصة لتحسين الأيض إلى عامل غير مباشر في زيادة الوزن.
ومن هنا تتضح القاعدة الصحية الأساسية: الصيام ليس وصفة سحرية لفقدان الوزن، ولا سبباً حتمياً لزيادته، بل هو أداة فسيولوجية حساسة تتأثر بكيفية استخدامها من حيث كسر الصيام، ونوعية الطعام، وتنظيم النوم والحركة. والنتيجة النهائية لا تحددها ساعات الامتناع عن الطعام بقدر ما تصنعها الخيارات اليومية التي يتخذها الصائم طوال الشهر الكريم.
• فوائد جسدية ونفسية. عند الالتزام بمبادئ التغذية السليمة، يمكن للصيام أن يقدم مجموعة من الفوائد الصحية المهمة. من أبرز هذه الفوائد تحسين التحكم في مستويات السكر في الدم، وهو ما ينعكس إيجاباً على مرضى ما قبل السكري، وفق ما تشير إليه دراسات رصدية متعددة. كما يسهم الصيام في منح الجهاز الهضمي فترات راحة منتظمة، ما قد يقلل من أعراض عسر الهضم والارتجاع لدى بعض الأشخاص.
ولا تقتصر الفوائد على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الصحة النفسية. فقد أظهرت أبحاث منشورة في دوريات علم النفس الصحي أن الصيام المصحوب بنمط حياة منظم قد يساعد في تحسين التركيز، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالانضباط الذاتي. ويعزو الباحثون ذلك إلى انتظام الوجبات، وتقليل استهلاك المنبهات، ووجود بُعد روحي يدعم الاستقرار النفسي.
أخطاء شائعة
رغم الإمكانات الصحية الكبيرة التي يوفّرها الصيام، يقع كثير من الصائمين في ممارسات يومية تقلل من فوائده أو تحرمه من أثره الإيجابي المرجو. فبعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام والشراب، يُفاجئ البعضُ أجسادَهم بوجبات دسمة تفوق احتياجاتهم الفعلية، ما يؤدي إلى شعور بالثقل والخمول واضطرابات في الهضم، مع حدوث ارتفاع سريع في مستويات سكر الدم. ولا يقل إهمال شرب الماء أهمية عن ذلك، إذ يكتفي كثيرون بكميات محدودة من السوائل خلال فترة الإفطار، ما قد يعرّض الجسم للجفاف ويؤثر في التركيز ووظائف الكلى والدورة الدموية. ويضاف إلى هذه السلوكيات اضطراب نمط النوم الناتج عن السهر الطويل وقلة عدد ساعات الراحة، الأمر الذي يخلّ بتوازن الهرمونات المنظمة للشهية والطاقة، ويزيد من الشعور بالإرهاق خلال ساعات الصيام. كما أن الاعتماد المفرط على الحلويات الرمضانية والمقليات، رغم ارتباط ذلك بالعادات الاجتماعية، يؤدي إلى تقلبات حادة في مستويات السكر والدهون في الدم، يعقبها شعور بالتعب والجوع المبكر. وتشكّل هذه الأخطاء مجتمعة، عائقاً حقيقياً أمام تحقيق الفوائد الصحية للصيام، وتحول هذه العبادة إلى تجربة مرهقة بدل أن تكون فرصة لإعادة التوازن الجسدي.
ومن أبرز هذه الممارسات الخاطئة مما يمكن رصده في السلوك الغذائي اليومي للصائمين، والتي تستحق الوقوف عندها بشيء من التفصيل:
• الإفراط في الأكل عند الإفطار. يُعد تناول كميات كبيرة من الطعام فور أذان المغرب من أكثر الأخطاء شيوعاً في رمضان. فبعد ساعات طويلة من الصيام، يكون الجهاز الهضمي في حالة استعداد تدريجي، وليس مهيأً لاستقبال وجبات دسمة ومركزة. وقد يؤدي هذا السلوك إلى الشعور بالثقل، واضطرابات الهضم، وارتفاع مفاجئ في سكر الدم، ما يحرم الصائم من الفائدة الصحية المرجوة من الصيام.
• إهمال شرب الماء. يركز كثير من الصائمين على نوعية الطعام وينسون أهمية الترطيب. والاكتفاء بكميات محدودة من الماء بين الإفطار والسحور قد يعرّض الجسم للجفاف، ويؤثر سلباً في التركيز ووظائف الكلى والدورة الدموية. ويؤكد مختصو التغذية أن شرب الماء يجب أن يكون موزعاً على ساعات الإفطار، لا دفعة واحدة.
• السهر الطويل وقلة النوم. يتعامل البعض مع رمضان بوصفه شهر السهر، ما يؤدي إلى اضطراب النوم وقلة عدد ساعاته. هذا الخلل يؤثر في توازن الهرمونات المنظمة للشهية والطاقة، وقد يسبب الإرهاق، وتقلب المزاج، وزيادة الرغبة في تناول الأطعمة غير الصحية خلال النهار.
• الاعتماد على الحلويات والمقليات. تمثل الحلويات الرمضانية والمقليات عنصراً أساسياً على كثير من الموائد، لكن الإفراط فيها يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستويات السكر والدهون في الدم، يعقبه شعور بالخمول والتعب. ويؤكد الأطباء أن الاعتدال في هذه الأطعمة، واستبدال خيارات أخف بها، يسهم في الحفاظ على استقرار الطاقة والصحة العامة خلال الشهر.
• كيف نجعل من الصيام نمطاً صحياً؟ لتحقيق الفائدة الصحية المرجوة من الصيام، يُنصح باتباع مجموعة من الإرشادات البسيطة والعملية. من أهمها توزيع الوجبات بين الإفطار والسحور بشكل متوازن، والبدء بالإفطار بوجبة خفيفة تسمح للجهاز الهضمي بالاستعداد التدريجي. كما يُعد شرب الماء على فترات منتظمة بين الإفطار والسحور عنصراً أساسياً للحفاظ على الترطيب.
ويُوصي خبراء التغذية، استناداً إلى إرشادات منشورة من هيئات صحية دولية، بضرورة إدخال الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ضمن الوجبات الرمضانية، والحد من السكريات المضافة والدهون المشبعة. كما أن ممارسة نشاط بدني خفيف بعد الإفطار، مثل المشي، تسهم في تحسين الهضم وتنظيم مستويات السكر.
أما النوم، فيجب التعامل معه بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الصحة الرمضانية، من خلال محاولة الحفاظ على عدد ساعات كافٍ، ولو بصورة متقطعة، لتجنب الإرهاق المزمن.
ويبقى الصيام أكثر من مجرد امتناع مؤقت عن الطعام والشراب؛ إنه تجربة متكاملة لإعادة التوازن بين احتياجات الجسد ومتطلبات الحياة اليومية. ومع الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، تبرز فرصة حقيقية لتحويل الصيام إلى نقطة انطلاق نحو نمط حياة صحي أكثر وعياً واستدامة. فالصحة لا تُبنى بقرارات مفاجئة أو ممارسات موسمية، بل بخيارات يومية مدروسة، تبدأ من مائدة الإفطار، وتمتد إلى ما بعد انتهاء الشهر الفضيل.
• استشاري طب المجتمع.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :