Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

مفاوضات إيران على حافة الخيار الصعب

اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 18 فبراير 2026 01:03 مساءً تحت عنوان «الأجواء الإيجابية» التي عكستها طهران عقب الجولة الثانية من محادثاتها مع واشنطن في جنيف، بدا المشهد في الساعات الأخيرة كأنه يسير على سكتين متوازيتين لا تلتقيان بسهولة؛ فالإيرانيون يتحدثون عن «تقدم» واستعداد لتقديم أوراق عمل مكتوبة تمهيداً لاتفاق محتمل، في حين خرج نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، ليؤكد أن طهران لم توافق بعد على تجاوز «الخطوط الحمر» التي وضعها الرئيس دونالد ترمب، ملمّحاً إلى أن الدبلوماسية قد تبلغ «نهايتها الطبيعية» إذا لم تتغير المعادلة.

ثم جاء تقرير لموقع «أكسيوس» ليضيف مزيداً من الزيت على نار التشاؤم، متحدثاً عن اقتراب الإدارة الأميركية من حرب واسعة النطاق مع إيران، لا مجرد ضربة محدودة، وفق ما نقل عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.

وأشار التقرير إلى أن الحشد العسكري الأميركي يشمل حالياً حاملتي طائرات، ونحو اثنتي عشرة سفينة حربية، ومئات الطائرات المقاتلة، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متعددة، فيما نُفذت أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل أسلحة وذخائر إلى الشرق الأوسط. وخلال 24 ساعة فقط، وصلت 50 طائرة مقاتلة إضافية من طراز «إف-35» و«إف-22» و«إف-16» إلى المنطقة.

صورة نشرها وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي من لقاءاته مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر على هامش المحادثات الإيرانية في جنيف

وبين هاتين الروايتين تتشكل منطقة رمادية: ليست انهياراً رسمياً للمفاوضات، ولا اختراقاً يضمن اتفاقاً قريباً. غير أن تصاعد الضغط العسكري، واتساع سلة المطالب الأميركية، وضيق هامش المناورة أمام طهران، تجعل «التفاؤل» الإيراني أقرب إلى إدارة الوقت منه إلى إعلان اقتراب تسوية.

أوراق عمل ومهلة أسبوعين

حسب ما رشح من جنيف، خرجت طهران من الجولة الثانية مركّزة على مفهومي «المبادئ التوجيهية» و«الأجواء البنّاءة»، في محاولة لتثبيت أن مسار التفاوض لم ينكسر بعد، وأن ثمة أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. في المقابل، تشير روايات متقاطعة إلى أن واشنطن تنتظر من إيران العودة خلال أسبوعين بمقترح «مفصل» أو «مكتوب» يجيب عن الأسئلة الجوهرية للاتفاق، بدلاً من الاكتفاء بعناوين عامة.

وقال مسؤول أميركي إن محادثات جنيف مع إيران «أحرزت تقدماً، لكن لا تزال هناك تفاصيل كثيرة بحاجة إلى مناقشة»، مضيفاً أن الجانب الإيراني أبلغ واشنطن بأنه سيعود خلال الأسبوعين المقبلين «بمقترحات مفصلة لمعالجة بعض الفجوات القائمة في مواقفنا».

وأوضح المسؤول أن إيران طرحت خلال المحادثات فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة محددة قد تتراوح بين عام وثلاثة أو خمسة أعوام، غير أن هذا الطرح «لا يلبّي بمفرده» مطلب الرئيس دونالد ترمب بإنهاء التخصيب بالكامل.

وأشار مسؤولون أميركيون مطلعون إلى أن الولايات المتحدة تدرس، في المقابل، إمكان رفع بعض العقوبات المالية والمصرفية والحظر المفروض على مبيعات النفط الإيراني، في حال قدّمت طهران خطة «مقنعة» تضمن رقابة كافية على برنامجها النووي وتتضمن حوافز اقتصادية مناسبة، وفقاً لشبكة «سي بي إس» الإخبارية.

وأكد مسؤول أميركي أن صياغة البيان الصادر عن البيت الأبيض تعكس أن «الكرة في ملعب طهران»، وأن على الإيرانيين تقديم خطة واضحة خلال 14 يوماً يمكن أن تحظى بقبول ترمب.

هذا التفصيل، مهلة الأسبوعين، ليس تقنياً، إنه ساعة رملية سياسية: إما أن تقدّم طهران صياغات قابلة للاختبار والتحقق، وإما تُتهم بأنها تستخدم المفاوضات لتخفيف الضغط دون تقديم تنازلات. ومع أن طهران تحاول فصل الملف النووي عن باقي الملفات الحساسة، فإن الإشارات الأميركية الأخيرة توحي بأن «الاتفاق الموعود» المطلوب في واشنطن لم يعد نووياً فقط، بل أوسع وأثقل كلفة.

الخطوط الحمر

تصريحات فانس جاءت لتؤطر الخلاف بلغة حادة: المحادثات «سارت جيداً في بعض النواحي»، لكنها كشفت في نواحٍ أخرى عن أن الإيرانيين «غير مستعدين للاعتراف بخطوط حمر» وضعها ترمب والعمل على تجاوزها. واللافت هنا ليس فقط مضمون الرسالة، بل ما تفتحه من باب لتفسير أن واشنطن تتهيأ مبكراً لاتهام طهران بالتعنت، تمهيداً لنقل الملف من طاولة التفاوض إلى خيارات أكثر قسوة.

هنا يذهب فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أبعد من ذلك، معتبراً في حديث مع «الشرق الأوسط» أن المفاوضات «وصلت عملياً إلى مأزق»، لأن الإدارة الأميركية، وفق تقديره، لا تضع الملف النووي وحده على الطاولة، بل ترفقه بقضايا أخرى «مثل قدرات الصواريخ البعيدة المدى، ودعم الوكلاء، والسلوك الداخلي العنيف»، وهي ملفات «يرفض النظام حتى الآن بحثها»، حسب قوله.

ووفق نديمي، فإن هذا الاتساع في الشروط يجعل احتمال الصفقة الشاملة ضعيفاً، وإن كان لا يستبعد «اتفاقاً مرحلياً في اللحظة الأخيرة» هدفه تأخير الانفجار لا منعه.

في المقابل، يحذر باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا»، من القفز سريعاً إلى إعلان الفشل. ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أنه «من المبكر جداً» اعتبار المفاوضات ميتة، لأن الطرفين تبادلا مسودات ويحاولان إيجاد طريقة «للنزول عن الشجرة» دون أن يظهر أيٌّ منهما وكأنه تراجع عن ثوابته.

لكن بارفي يلفت إلى عاملين قد يحددان المصير: أولاً، ما إذا كانت طهران ستعتبر التنازلات «وجودية» أم قابلة للتسوية؛ وثانياً، مزاج ترمب نفسه، إذ قد لا يملك الصبر على «تكتيكات المساومة البازارية» التي يتقنها الإيرانيون، أو قد لا يرغب أصلاً في منحها وقتاً أطول.

تفاوض أم ضغط يصنع حرباً؟

هنا يلتقي التحليل السياسي مع لغة القوة، حيث يتحدث تقرير «أكسيوس» عن مشهد تعبئة عسكرية متصاعدة: حاملتا طائرات، عشرات السفن، مئات الطائرات المقاتلة، وتعزيزات دفاع جوي، إلى جانب مئات رحلات الشحن العسكرية التي تنقل ذخائر وأنظمة إلى المنطقة، في صورة توحي بأن الإدارة لا تلوّح فقط، بل تبني خياراً عملياتياً متكاملاً.

وإذا كانت طهران ترى في هذا الحشد محاولةً لليّ الذراع داخل التفاوض، فإن فرزين نديمي يقرأه إشارة شبه حاسمة إلى أن واشنطن «تتحرك بسرعة نحو حملة عسكرية واسعة»، وأن زخمها «لن يتوقف» إلا إذا قدمت إيران تنازلات كبيرة ومن دون إضاعة وقت. هذا المنطق يعيد تعريف المفاوضات: ليست مساراً مستقلاً عن الحرب، بل جزءاً من ترتيباتها، ونافذة أخيرة قبل أن يُقال إن الدبلوماسية استنفدت أغراضها.

مقاتلات أميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال عمليات جوية في مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)

في المقابل، ما يجعل خيار الحرب محفوفاً بالمخاطر ليس فقط كلفته، بل أيضاً «سياسة التوقعات» التي صنعها الحشد العسكري نفسه. فكلما ارتفع سقف التعبئة، صار التراجع أصعب، لأنه سيبدو وكأنه انكفاء تحت الضغط أو فشل في انتزاع تنازلات. وهنا تصبح مهلة «الأسبوعين» أكثر من موعد تقني، بل اختباراً للإرادة: هل تستطيع طهران تقديم ورقة مكتوبة تحمل تنازلات قابلة للترجمة؟ وهل يقبل ترمب أصلاً باتفاق «أقل من الحد الأقصى» إذا كان قد صعّد علناً سقف الخطوط الحمر؟

السيناريو الأقرب، وفق ما يظهر من تباين السرديات، هو استمرار التفاوض بوصفه مساراً «معلقاً» فوق فوهة التصعيد: جولات إضافية، ومسودات متبادلة، ووعود بالكتابة، لكن من دون عبور حقيقي للخطوط الفاصلة. وإذا لم يحدث ذلك العبور خلال النافذة الزمنية المعلنة، فستزداد قوة رواية «نهاية الدبلوماسية» التي لمح إليها فانس، وسيزداد معها خطر انتقال الملف من تفاوضٍ تحت الضغط إلى ضغطٍ يصنع الحرب.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :