Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

الذكاء الاصطناعي لا يحل محل البشر... بل يعيد تشكيل «أحكامهم العقلية»

اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 4 فبراير 2026 07:27 صباحاً لا يُلغي الذكاء الاصطناعي العمل البشري، بل يُغير طبيعة الحكم العقلي للعاملين؛ إذ إنه يبعد العاملين من جهة عن المهام الروتينية، لكنه يوجه العمل نحو مجالات دقيقة تتسم بالغموض، تكون فيها الأخطاء مكلفة، والثقة أساسية... لذا تظل الحاجة إلى وجود «حكم عقلي» حول النتائج، كما كتب يواف زيف(*).

يُفسر هذا التحول الفجوة المتزايدة في النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي. فمن جهة، تتحسن النماذج بوتيرة مذهلة، ومن جهة أخرى، تتعثر العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطموحة، أو تتوسع بوتيرة أبطأ من المتوقع، أو تعود بهدوء إلى أساليب العمل الهجينة.

مشكلة الثقة بالأدوات الذكية

إن المشكلة ليست في القدرة، بل في الثقة. فهناك فجوة الثقة التي تتجاهلها معظم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي.

لا يتوقف تبني الذكاء الاصطناعي على قدرة النظام الذكي على أداء مهمة ما، بل على استعداد البشر للاعتماد على مخرجاته دون التحقق منها. هذه الفجوة بين الأداء والاعتماد، فجوة الثقة، هي ما يُحدد في نهاية المطاف أين يحل الذكاء الاصطناعي محل العمل، وأين يُعززه، وأين يبقى البشر لا غنى عنهم.

الغموض والمخاطر

وهناك عاملان يُشكلان هذه الفجوة أكثر من أي شيء آخر: الغموض والمخاطر.

يشير الغموض إلى مدى الحاجة إلى التفسير أو السياق أو التقدير في مهمة ما. أما المخاطر فتشير إلى ما يحدث في حال أخطأ النظام: مالياً، أو قانونياً، أو على مستوى السمعة، أو أخلاقياً.

عندما يكون الغموض والمخاطر منخفضين، يزدهر التشغيل الآلي. أما عندما يكون كلاهما مرتفعاً، فلا بد من بقاء العنصر البشري حاضراً بقوة. تقع معظم الأعمال في العالم الحقيقي في مكان ما بين هذين النقيضين، وهنا يُعاد تشكيل مستقبل العمل.

طريقة بسيطة لفهم مكانة الذكاء الاصطناعي

فكّر في العمل من خلال محورين: مدى الغموض، ومدى تكلفة الأخطاء.

* المهام ذات الغموض المنخفض والمخاطر المنخفضة، مثل التصنيف الأساسي، والوسم البسيط، والتوجيه الروتيني، ستُصبح مؤتمتة بالكامل بسرعة. هنا يحل الذكاء الاصطناعي محل العمل البشري بهدوء، غالباً دون جدل يُذكر.

* المهام ذات الغموض المنخفض والمخاطر العالية، مثل فحوصات الامتثال (للقواعد المرعية) أو التحقق من الهوية، تُؤتمت عادةً ولكن تخضع لمراقبة دقيقة. وهنا يقوم العنصر البشري بالتحقق والتدقيق والتدخل عند وجود أي خلل.

* الأعمال ذات الغموض العالي والمخاطر المنخفضة: مثل التصنيف الإبداعي، وتحليل المشاعر، والبحوث الاستكشافية، التي غالباً ما تستخدم الذكاء الاصطناعي مساعداً، تحتاج إلى إشراف بشري محدود.

* الغموض العالي والمخاطر العالية. وهذا هو الأهم، إذ إن هذه هي المهام التي يصعب فيها كسب الثقة: حالات الاحتيال الشاذة، والرقابة الحساسة لقواعد السلامة، والتفسير الطبي أو المالي، وقرارات البيانات التي تُحدد كيفية عمل نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي.

هنا، لا يختفي العنصر البشري، بل يصبح أكثر توجيهاً وتخصصاً، وأكثر استجابةً للطلب.

العنصر البشري: اختفاء أم حضور؟

* نظم صوتية آلية. تُحسّن أنظمة الاستجابة الصوتية التفاعلية هذه التوجهات، فالاستجابة الصوتية التفاعلية هي حرفياً صوت الشركة لعملائها. وبمجرد أن أصبحت الأصوات الاصطناعية جيدة بما يكفي، أصبح من السهل الحكم على الجودة واختفت فجوة الثقة. كان ذلك وحده كافياً ليتولى الذكاء الاصطناعي زمام الأمور.

* مسارات الترجمة الآلية. اتخذت الترجمة مساراً مختلفاً. فالترجمة بطبيعتها غامضة، إذ توجد طرق متعددة لترجمة الجملة الواحدة. ونتيجةً لذلك، استوعبت الترجمة الآلية بسرعة المحتوى غير الرسمي والمنخفض المخاطر، مثل فيديوهات «تيك توك». مع ذلك، في السياقات البالغة الأهمية، كالعقود القانونية والتعليمات الطبية والتقارير المالية ورسائل العلامات التجارية العالمية، لا تنتقل الثقة بالكامل إلى الآلة.

في هذه المهام، لا يزال المترجمون المحترفون مطلوبين لتعزيز مخرجات الذكاء الاصطناعي الأولية. وبما أن الذكاء الاصطناعي يؤدي الآن الجزء الأكبر من العمل، فقد أصبح المترجمون المتفرغون نادرين. وبدلاً من ذلك، فإنهم يعملون بشكل متزايد ضمن شبكات الخبراء، ويتم توظيفهم «عند الحاجة» لضبط العملية والتحقق منها، ومن ثمّ سد فجوة الثقة.

*التحقق من صحة البيانات. ويحدث التحول نفسه الآن في كيفية إعداد البيانات والتحقق من صحتها لأنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها. اعتمد التدريب المبكر للذكاء الاصطناعي على عمليات تصنيف بشرية ضخمة ومتفرغة. أما اليوم، فتتولى النماذج بشكل متزايد التقييم الروتيني. وتُحفظ الخبرة البشرية للقرارات الأكثر حساسية، تلك التي تحدد كيفية تصرف الذكاء الاصطناعي تحت الضغط.

مستقبل العمل

ماذا يعني هذا لمستقبل العمل؟ يصوّر الخطاب الشائع الذكاء الاصطناعي على أنه تقنية بديلة: الآلات في مواجهة البشر. إلا أن الواقع داخل المؤسسات يختلف اختلافاً جذرياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي الخيار الأمثل للتوسع. أما البشر، فيتولون مهام التعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات في المواقف غير الواضحة، أو عندما تكون العواقب وخيمة، أو عندما يكون بناء الثقة على المحك.

* تغيّر دور الموظف. لا يعني هذا بالضرورة تقليل عدد الموظفين، بل يعني تغيير أدوارهم: تقليل الأعمال الروتينية، وزيادة الاعتماد على القرارات في الوقت المناسب. كما يعني وجود المزيد من الخبراء العاملين على أنظمة متعددة، وتقليل عدد الموظفين الملتزمين بمهام محددة بدقة.

* نجاح المؤسسات. لن تكون المؤسسات التي تنجح في توظيف الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تعتمد على الأتمتة بشكل أكبر. بل ستنجح تلك التي تقوم بتحديد المجالات التي لا تحتاج إلى أتمتة، والتي تصمم مسارات عمل قادرة على الاستعانة بالخبرة البشرية في الوقت المناسب وبالمستوى الأمثل.

إن مستقبل العمل ليس صراعاً بين البشر والآلات، بل هو في توظيف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، إضافة إلى الخبرة البشرية المُقدمة عبر شبكات الخبراء، وليس من خلال وظائف دائمة. وتُظهر كل من الترجمة ووسائل التحقق من صحة النماذج هذا النمط.

* مجلة «فاست كومباني».

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :