الأحد 24 مايو 2026 09:40 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، المتوترة والهشة بالفعل منذ عقود، تدهوراً سريعاً في الأسابيع الأخيرة.
تتهم الولايات المتحدة كوبا بأنها تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وفرضت عليها حصاراً نفطياً وعقوبات، لكن الآن هناك لائحة اتهام أمريكية غير مسبوقة بالقتل ضد الزعيم السابق راؤول كاسترو.
وتحذر واشنطن أيضاً من استبعاد التوصل إلى اتفاق سلمي مع الدولة الكاريبية، بينما تقول كوبا إن الولايات المتحدة تستخدم "قضية ملفقة" لتبرير تدخل عسكري في البلاد.
لكن ما الذي يدفع الولايات المتحدة للضغط على كوبا، وكيف ترد؟
هل يمكن للولايات المتحدة أن تتخذ إجراءً عسكرياً ضد كوبا؟
صدر الصورة، Reuters
منذ عودته إلى البيت الأبيض، أوضح دونالد ترامب رغبته في تغيير القيادة في هافانا، وألمح علناً إلى أن كوبا "على وشك السقوط".
في مارس/آذار، أشار إلى أن البلاد في "مأزق حقيقي" مهدداً بـ"استحواذ ودي" عليها.
لم يُعلن ترامب عن أي خطط لأي تدخل عسكري، لكن كوبا تعيش حالة من التوتر، خاصة مع تزايد أنشطة المراقبة الأمريكية في منطقة الكاريبي.
خلال الأسبوع الماضي، نشر الجيش الأمريكي علناً مواقع طائراته المتمركزة بالقرب من كوبا عبر مواقع تتبع الطائرات.
وكشف خبير الطائرات المسيّرة البريطاني، الدكتور ستيف رايت، أن إبقاء أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بالطائرات الأمريكية قيد التشغيل " متعمد على الأرجح"، حيث تريد الولايات المتحدة توجيه "رسالة واضحة مفادها أنها تراقب الأجواء للحفاظ على الضغط".
ولا تُقدّم بيانات تتبع الرحلات الجوية صورة كاملة عن وضع الطائرات العسكرية ووجهتها، لأنها غالباً ما تُشارك مواقعها خلال أجزاء محددة من الرحلة فقط، وليس أثناء الرحلة بكاملها.
من ناحية أخرى، أفاد موقع "أكسيوس" الإخباري الأمريكي، نقلاً عن معلومات استخباراتية سرية، أن كوبا تمتلك 300 طائرة مسيرة وتبحث ضرب أهداف أمريكية قريبة، بما في ذلك خليج غوانتانامو، وكي ويست في فلوريدا، واستهداف سفن حربية.
كما نقل الموقع عن مسؤول أمريكي قوله إن المعلومات الاستخباراتية، التي وصفها الموقع بأنها ذريعة محتملة للتدخل العسكري الأمريكي، تشير إلى وجود مستشارين عسكريين إيرانيين في هافانا.
من جانبه رد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز، على المزاعم الأمريكية بأن بلاده "لا تُهدد بالحرب ولا ترغب بها"، واتهم واشنطن بتلفيق "ذريعة واهية" للتدخل العسكري.
وكان وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، قد صرح الخميس، بأن البيت الأبيض يُفضل "الحل الدبلوماسي"، لكن ترامب له الحق والواجب في "حماية بلاده من أي تهديد".
كما وصف روبيو كوبا بأنها "تهديد للأمن القومي"، وقال إن احتمالية التوصل إلى اتفاق سلمي "ضئيلة".
ورد رودريغيز باتهام روبيو بمحاولة "التحريض على عدوان عسكري"، واتهام الحكومة الأمريكية بشن هجوم "وحشي ومنهجي" على بلاده.
صدر الصورة، Reuters
التسلسل الهرمي للسلطة في كوبا
كما هو الحال في العديد من الدول، يوجد في كوبا رئيس ورئيس وزراء، لكن نظام الحكم هناك يعتمد على شكل هرمي فريد للسلطة.
ولا يزال هذا النظام الهرمي يضم أحد أشهر الأسماء التي ظهرت في منطقة الكاريبي: كاسترو.
ينظر قادة الحزب الشيوعي الكوبي إلى أنفسهم كورثة وامتداد لثورة فيدل كاسترو، التي أطاحت بالزعيم القوي الموالي للولايات المتحدة فولغينسيو باتيستا عام 1959، وجعلت من شعار "مناهضة الإمبريالية" سمّة مميزة لحكومة الجزيرة لعقود متتالية.
لهذا السبب، يعتبر الحزب الشيوعي توجيه الولايات المتحدة الاتهام إلى الرئيس السابق راؤول كاسترو، ضربة متعمدة ضد رمز النظام الشيوعي ذي الحزب الواحد في كوبا.
يبلغ راؤول من العمر حالياً قرابة 95 عاماً، ويحمل اللقب الرسمي "قائد الثورة الكوبية"، وشغل منصب رئيس كوبا بين عامي 2008 و2018.
بينما يتولى ميغيل دياز كانيل، البالغ من العمر 66 عاماً، منصبي الرئاسة الكوبية وقيادة الحزب الشيوعي، وهو أحد أبرز الشخصيات الحزبية، إلا أن اسم عائلة كاسترو لا يزال يمثل السلطة الحقيقية في الجزيرة ويحظى باحترام كبير بين أفراد الجيش والأجهزة الأمنية.
تتولى قوات الجيش والأجهزة الأمنية فعلياً إدارة جزء كبير من الاقتصاد وتحافظ على النظام الداخلي، وتقمع أي معارضة أو احتجاج داخلي.
أجرت إدارة ترامب محادثات مع كوبا بجانب جهود أخرى للتواصل، وكان من بين المشاركين فيها من كوبا حفيد راؤول كاسترو وحارسه الشخصي، راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، البالغ من العمر 41 عاماً.
ويحمل راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، رتبة عقيد في وزارة الداخلية، ويُعتبر على نطاق واسع "أذن" جده، على الرغم من أنه لا يشغل أي مناصب قيادية رسمية في الحكومة أو الحزب.
مع ذلك، أشار الرئيس دياز كانيل، إلى وجود نوع من "العمل الجماعي" في صناعة القرار بين النخبة السياسية والعسكرية التي تحكم البلاد.
أما رئيس الوزراء فهو مانويل ماريرو، 62 عاماً، وهو من الموالين لكاسترو وخبير عسكري، لكن وزير الخارجية رودريغيز، 68 عاماً، يمثل الصوت الأكثر تأثيراً للحكومة في الرد على الولايات المتحدة.
يرتبط رئيس الوزراء ماريرو بتكتل "غايسا" GAESA العسكري الغامض، الذي يديره جنرالات كوبيون، ويعد على نطاق واسع الجهة الخفية التي تدير الأصول الاقتصادية من خلف الستار لدعم النخبة العسكرية والسياسية في البلاد.
ركز روبيو تحديداً على بنية السلطة هذه في رسالة مصورة وجهها إلى الكوبيين في 20 مايو/آيار، قائلًا: "كوبا لا تخضع لسيطرة أي ثورة. كوبا تخضع لسيطرة غايسا، وتمثل دولة داخل الدولة".
وأضاف أن النخبة الحاكمة "الفاسدة" و"غير الكفؤة" تعرقل الإصلاحات وتمنع تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.
صدر الصورة، Getty Images
لماذا اتهمت الولايات المتحدة راؤول كاسترو بالقتل؟
تعود التهم الأخيرة الموجهة لكاسترو إلى حادثة وقعت قبل 30 عاماً.
في فبراير/شباط 1996، أسقطت طائرات مقاتلة كوبية طائرتين مدنيتين صغيرتين، مملوكتين لمجموعة من المواطنيين الكوبيين المنفيين في ميامي بالولايات المتحدة. وقُتل أربعة أشخاص كانوا على متن الطائرتين، بينهم ثلاثة مواطنين أمريكيين.
في ذلك الوقت، كان راؤول وزيراً للقوات المسلحة الكوبية، وأحد أبرز الشخصيات في نظام شقيقه الحاكم وقتها فيديل كاسترو.
اتهمت واشنطن كوبا باستهداف طائرات مدنية بشكل غير قانوني في المياه الدولية، كما أدانت دول أخرى هذا العمل.
بررت هافانا الحادث بأنه وقع فوق مجالها الجوي واستهدف عناصر في جماعة "إخوة الإنقاذ" المنفية والتي شكلت تهديداً للأمن القومي بسبب اختراقاتها الجوية المتكررة للمجال الجوي في كوبا.
وأعادت الولايات المتحدة الحادثة إلى الواجهة، واتهمت في وقت سابق هذا الأسبوع راؤول كاسترو وخمسة آخرين بتهم مختلفة، من بينها: التآمر لقتل مواطنين أمريكيين، وارتكاب جريمة القتل، وتدمير طائرات أمريكية.
وحال إدانته، قد يواجه عقوبة السجن المؤبد أو الإعدام في الولايات المتحدة.
أثناء إعلانه عن التهم، أكد القائم بأعمال المدعي العام الأمريكي تود بلانش، بأن الولايات المتحدة "لا تنسى، ولن تنسى، مواطنيها".
لكن من اللافت أن الولايات المتحدة تستهدف شخصية كوبية بارزة.
علق الرئيس الكوبي دياز كانيل، على هذه التهم بأن الولايات المتحدة تستخدمها "لتبرير حماقة العدوان العسكري على كوبا".
ووصف لائحة الاتهام بأنها "مناورة سياسية، لا أساس قانوني لها"، وقال إن كوبا تصرفت "دفاعاً مشروعاً عن النفس ضمن مياهها الإقليمية" بإسقاط الطائرات.
انقطاعات واسعة للكهرباء جراء الحصار والعقوبات
معظم الضغوط التي تمارسها واشنطن تأتي من خلال فرض عقوبات وحصار نفطي على الجزيرة.
ومنذ أشهر تعاني البلاد انقطاعات واسعة النطاق للتيار الكهربائي، بسبب النقص الحاد في إمدادات الوقود.
في السابق اعتمدت كوبا على فنزويلا والمكسيك في الحصول على معظم احتياجاتها من النفط والوقود، لكن هذا الأمر توقف حالياً بصورة كبيرة منذ يناير/كانون الثاني، عندما أطاحت الولايات المتحدة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كما هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول التي ستزود كوبا باحتياجاتها من النفط.
وبالفعل صادرت واشنطن عدداً من شحنات النفط التي كانت في طريقها إلى كوبا، ومنذ فرص الحصار الأمريكي لم تصل إلى البلاد سوى ناقلة نفط روسية واحدة.
ويتزايد السخط الشعبي بين الكوبيين بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونقص الغذاء والوقود والدواء. وتواجه المستشفيات صعوبة في العمل بشكل طبيعي، وتُضطر المدارس والمكاتب الحكومية إلى الإغلاق.
وشهدت البلاد مظاهرات متكررة في شوارع العاصمة هافانا، وفي مظاهرة يوم الأربعاء، قطع المتظاهرون الطرق بحرق النفايات وهتفوا بشعارات مناهضة للحكومة.
وفي هذا الشهر، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على مسؤولين كبار في كوبا واتهمتهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أو الفساد، واستهدفت بشكل مباشر مسؤولين في قطاعات الاقتصاد الكوبي الهامة منها الطاقة والدفاع والمالية والأمن.
ورغم الحصار والعقوبات واصلت الولايات المتحدة تقديم مساعدات بقيمة 100 مليون دولار لكوبا، ولكنها مساعدات مشروطة تتجاوز الحكومة الكوبية ويتم توزيعها عبر الكنيسة الكاثوليكية والمنظمات الإنسانية المستقلة.
وأعلنت واشنطن أن كوبا رفضت المساعدة، لكن وزير الخارجية الكوبي أوضح أن بلاده لا ترفض المساعدات "المقدمة بحسن نية"، وأن أفضل طريقة يمكن للولايات المتحدة من خلالها تقديم المساعدة هي رفع الحصار.
صدر الصورة، Reuters
صدر الصورة، Reuters
كوبا تواجه الضغوط بتصريحات نارية ودعم من حلفائها
بينما أجرت واشنطن وهافانا محادثات شكلية عبر قنوات غير رسمية، تأكدت من الطرفين في مارس/آذار، إلا أن رد كوبا اقتصر على تصريحات نارية من قادتها.
اتهم الرئيس دياز كانيل الولايات المتحدة بفرض "عقاب جماعي" على الشعب الكوبي، وطالب مراراً وتكراراً بإنهاء الحصار، الذي وصفه بأنه "سلوك ترهيبي ومتعجرف من أكبر قوة عسكرية في العالم".
ورداً على تقرير مزعوم حول حصول بلاده على طائرات مسيرة، قال رودريغيز إن الولايات المتحدة تُجهز مبرراً لـ"حرب اقتصادية شرسة ضد الشعب الكوبي، وعدوان عسكري لاحق".
وبينما أصر على أن كوبا لا ترغب في الحرب، قال إنها تستعد لمواجهة "عدوان خارجي".
يأتي هذا التطور في وقت تحركت فيه الصين وروسيا، حلفاء كوبا، لإدانة ما تقوم به الولايات المتحدة وضغوطها المستمرة، خاصة فيما يتعلق بالاتهامات الموجهة لكاسترو.
ودعت وزارة الخارجية الصينية الولايات المتحدة إلى التوقف عن استخدام "الإكراه" و"التهديدات" ضد حليفتها، بينما قال الكرملين إن الضغط الذي تمارسه واشنطن على هافانا "يقترب من العنف".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :