الأحد 24 مايو 2026 02:04 مساءً صدر الصورة، Jose A. Bernat Bacete
عندما شُخِّص والد بيث هانتر بمرض الزهايمر، سألته إن كان بإمكانها تسجيل حديث بينهما كي تتمكن من الاستماع إليه بعد سنوات.
لكنه رفض، وتقول هانتر إنه لم يكن من النوع الذي يخوض أحاديث عاطفية عميقة حول علاقتهما، فلم يواجه تشخيصه بالمرض ولم يتحدث عن الموت، وبدلاً من ذلك، أعطى الأولوية لكتابة قصصه عن الحرب، فكتبها بخط يده قبل أن يستعين بشخص آخر لطبعها.
ورغم أن ترك إرث قد يبدو أكثر إلحاحاً لدى كبار السن الذين يشعرون بضيق الوقت، يرى بعض الباحثين أن الرغبة في ترك إرث يمكن، وربما ينبغي، أن تبدأ في مرحلة أبكر من الحياة.
وتشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن فهم اهتمام الإنسان الفطري بترك شيء للأجيال القادمة بعد وفاته قد يكشف عن طرق جديدة لتحسين الصحة النفسية.
وتقول هانتر، وهي أستاذة مشاركة في جامعة بولينغ غرين الحكومية بولاية أوهايو الأمريكية ومتخصصة في دراسة الإرث في سياق النجاة من السرطان: "الغالبية العظمى من الناس لا يفكرون في الأمر".
لكن الإرث يمكن أن يظهر بطرق مختلفة، وقد يكون فعلاً غير واعٍ أيضاً. وتضيف: "كل شخص يترك إرثاً، سواء أدرك ذلك أم لا".
ولا يقتصر الأمر على توريث المال أو الممتلكات، أو الأعمال الخالدة مثل الموسيقى والكتابة، بل يقسم بعض الباحثين الإرث إلى 3 فئات رئيسية متداخلة هي الإرث البيولوجي الذي نتركه عبر أجسادنا وجيناتنا، والإرث المادي الذي يتمثل في الثروة والممتلكات، وإرث القيم مثل الإيمان والثقافة والتراث.
الإرث البيولوجي
بالنسبة لكثيرين، فإن الشكل الأكثر وضوحاً للإرث البيولوجي يتمثل في نقل الجينات من خلال إنجاب أبناء بيولوجيين، لكن السلالة الجينية، التي تشير إلى خط النسب المرتبط بالجينات، والإرث، أي الأثر الذي نتركه بعد الوفاة، قد يكونان أمرين مختلفين.
كما قد يشمل ترك إرث بيولوجي التبرع بأجسادنا نفسها، أي الأجساد التي نعيش داخلها، ففي الولايات المتحدة، يوجد نحو 170 مليون شخص مسجلين كمتبرعين بالأعضاء، رغم أن 3 فقط من كل ألف شخص يموتون في ظروف تسمح بالتبرع الناجح بالأعضاء.
ويرغب بعض الأشخاص أيضاً في التبرع بأجسادهم كاملة للعلم، بحيث تُستخدم لتعليم طلاب الطب أو في الأبحاث، مثل تطوير إجراءات طبية جديدة، وفي الولايات المتحدة، تم تلقي أكثر من 26 ألف تبرع بالأجساد في عام 2021.
وفي دراسة حديثة شملت أكثر من 100 شخص مسجلين للتبرع بأجسادهم في بلجيكا، كانت الرغبة في المساهمة في العلم الدافع الرئيسي لدى 57 في المئة منهم، وشملت الدوافع الأخرى الإيثار والامتنان للرعاية الطبية، لكن اللافت أن 16 في المئة قالوا إن دافعهم كان منح معنى لموتهم.
صدر الصورة، Solskin
وينطبق ذلك أيضاً على الأشخاص الذين يعانون من أمراض وراثية أو حالات صحية مزمنة، ومن أشهر الأمثلة الناشطة سوزان بوتر، التي عانت من أمراض متعددة وحالات مزمنة مثل السرطان والسكري والتهاب المفاصل، وقد تبرعت بجسدها لمشروع الإنسان المرئي في ولاية كولورادو الأمريكية بهدف المساعدة في تدريب الأطباء الشباب ليصبحوا أكثر كفاءة.
وكانت حالتها استثنائية، إذ وافقت على تجميد جسدها عند درجة حرارة بلغت سالب 9.4 مئوية (15 فهرنهايت)، قبل أن يُقسَّم إلى 27 ألف شريحة، وتم تصوير كل شريحة وتجميعها رقمياً لتكوين جثة افتراضية ثلاثية الأبعاد، تتيح للطلاب تشريح الجسم افتراضياً.
وفي إحدى الدراسات التي أجرتها هانتر على ناجيات من السرطان، أعربت المشاركات عن أملهن في أن يدفع إرثهن أفراد العائلة إلى تبني سلوكيات صحية إيجابية والخضوع لفحوصات الكشف عن السرطان، وتقول هانتر إن "ترك أثر ما" كان أمراً مهماً للنساء اللواتي واجهن احتمال الموت بعد تشخيص إصابتهن بالسرطان.
وترى هانتر أن أهمية الإرث قد يكون لها تأثير أوسع على الأبحاث الطبية أيضاً، إذ قد تشجع مزيداً من المرضى على المشاركة في التجارب السريرية.
كما أن التفكير في الإرث يمكن أن يمنح شعوراً بالراحة لمن يواجهون الموت الوشيك، ففي رعاية نهاية الحياة، بغض النظر عن العمر، تساعد بعض المستشفيات ودور الرعاية المرضى على القيام بما يُعرف بـ "أنشطة الإرث" لمساعدتهم على إنهاء حياتهم بطريقة ذات معنى بالنسبة لهم ولعائلاتهم.
وقد يشمل ذلك كتابة يوميات أو إعداد سجل ذكريات، أو كتابة بطاقة لشخص عزيز، أو تنفيذ مشروع فني، أو إعداد "وصية أخلاقية"، وهي وثيقة غير قانونية تتيح للأشخاص تدوين أفكارهم وقيمهم ونصائحهم لتمريرها إلى الآخرين.
وتشير الأبحاث المتعلقة بالبالغين والأطفال المصابين بأمراض مميتة إلى أن هذه الأنشطة قد تساعد في تقليل الاكتئاب والقلق، كما يمكن أن تساهم في التخفيف من وطأة الحزن خلال الأشهر الأخيرة من الحياة.
إرث القيم
يُعد العمل الخيري، كالتوريث العقاري أو نقل الممتلكات الثمينة إلى الآخرين، من الطرق التي يمكن من خلالها ترك إرث مادي، كما يمكن أن تُعد المقتنيات العائلية مثل الصور الفوتوغرافية واليوميات وسائل عزيزة لنقل تاريخ العائلة وذكرياتها، كذلك فإن التبرع بمبنى يحمل اسم الشخص، على سبيل المثال، يترك أثراً في المجتمع أيضاً.
لكن الأبحاث تشير إلى أن أكثر ما يرغب الناس في تمريره كإرث لهم هو القيم والمعتقدات، مثل اللطف وأهمية مساعدة الآخرين.
وفي إحدى الدراسات التي تناولت قصص 38 امرأة من أعمار وحالات صحية مختلفة، تبيّن أن المشاركات كنّ يتطلعن إلى نقل الخبرات والقيم إلى الآخرين.
وغالباً ما كنّ يسعين إلى ذلك من خلال تقديم مثال أخلاقي عبر سلوكهن أو معتقداتهن الدينية والروحية، وكذلك عبر أفعال مباشرة مثل كتابة قصصهن أو تسجيلها صوتياً، أو تدوين تاريخ العائلة والمحطات الرئيسية في حياتهن، ربما في شكل سيرة ذاتية.
ويبدو أن ترك إرث من القيم يحمل فوائد عديدة، فعندما أجرى فريق من الباحثين الأمريكيين مقابلات مع مجموعة من البالغين الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً وكانوا قد أعدوا وثيقة لإرث قيمهم، وجدوا أن المشاركين تمكنوا من الوصول إلى السلام الداخلي، وتقبّل الماضي، والتعبير عما كان الأكثر أهمية بالنسبة لهم، كما منحهم ذلك دافعاً للاستمرار في الحياة.
ووصف عدد من المشاركين ترك إرث من القيم بأنه "هدية ملموسة"، بينما قال أحدهم إن هذه العملية "تُذكّرك بما مررت به، وما هي العقبات التي واجهتها، وكيف واجهتها، وما هي الفلسفات التي ساعدتك على تجاوزها".
التعامل مع الخوف من الموت
وعلى الرغم من أن البشر فكروا على الأرجح في الإرث لآلاف السنين، إلا أن الباحثين لم يبدأوا بدراسة هذا المفهوم إلا منذ حوالي 75 عاماً، ففي عام 1950، صاغ المحلل النفسي الألماني إريك إريكسون مصطلح "العطاء"، واصفاً إياه بأنه مدى اهتمام الشخص برفاهية الآخرين، لا سيما فيما يتعلق بفائدة الأجيال القادمة.
وقد أدرج إريكسون العطاء كمرحلة سابعة من بين 8 مراحل للتطور النفسي الاجتماعي، مشيراً إلى أنها تمثل مهمة أساسية للأشخاص في منتصف العمر.
ووفقاً لإريكسون، فإن فشل الشخص في تحقيق العطاء قد يؤثر على مسار حياته لاحقاً، وربما يؤدي حتى إلى تدهور صحته، وقد وسّع باحثون آخرون هذه النظرية وقدّموا أدلة عليها منذ ذلك الحين، رغم أن بعضهم يرى أن تحقيق العطاء ليس تحدياً يقتصر على منتصف العمر، بل ينبغي اعتباره عملية تستمر مدى الحياة.
وبالطبع، هناك دافع آخر يدفع البشر إلى ترك إرث، وهو الخوف من الموت.
وتقول كيمبرلي ويد-بينزوني، أستاذة الإدارة والمنظمات في كلية فوكا للأعمال بجامعة ديوك في ولاية كارولاينا الشمالية: "إن هذا الدافع يجعل الناس يتساءلون.. ما جدوى الحياة إذا كنا سنموت في النهاية؟".
وتضيف: "الموت هو جوهر سيكولوجية دوافع الإرث، فعندما نتذكر الموت، نتذكر أننا لا نريد أن نموت، بل نريد أن نعيش".
وترى أن التفكير في الإرث يمكن أن يساعد الناس على الانتقال من حالة "القلق من الموت" إلى حالة "التأمل في الموت".
صدر الصورة، Noah Saob
ويشير منظّرون آخرون إلى أن هذا الخوف يصاحبه أيضاً رغبة في أن يشعر الإنسان بأن حياته قصة ذات معنى.
ويقول جيسي بيرينغ، أستاذ علم النفس في جامعة أوتاغو بنيوزيلندا: "يمكن النظر إلى دافع الإرث كجزء من حاجتنا إلى سرد قصصي متماسك".
ويضيف: "نحن نضع أنفسنا كبطل في رحلة بطولية، والدروس أو العبرة من القصة، أو المغزى النهائي إن صح التعبير، تُنقل إلى الجمهور، أي الجيل التالي".
ويؤكد بيرينغ أن افتتاننا بترك إرث يكشف أن البشر مبرمجون بيولوجياً للاهتمام بعمق بآراء الآخرين، ويقول: "حتى في الموت، لا نستطيع التخلص من هذا القلق".
ومن المعروف جيداً أن الإنسان يحتاج إلى التواصل مع الآخرين طوال حياته، إذ يحسن ذلك من صحته ويعد مصدراً أساسياً للسعادة، ولذلك قد يكون الإرث أيضاً "امتداداً اصطناعياً" لحاجة الإنسان إلى أن يكون محبوباً.
"اكتب الذي تطمح أن تتركه كإرث"
ورغم تزايد حجم الأبحاث في هذا المجال، فإن سبب رغبة الإنسان في أن يُذكر بشكل إيجابي بعد موته لا يزال لغزاً إلى حد ما. ويقول بيرينغ: "في النهاية، إذا كنت تعتقد أن الوعي المستمر يتطلب وجود دماغ، فسنكون غير قادرين نفسياً على معرفة أو الاستمتاع بسمعتنا بعد الموت".
ويجادل بأن الانشغال طوال الحياة بكيف سيُنظر إلينا بعد الوفاة قد "يسرق منا قدرتنا على تقدير اللحظة الحاضرة والاستمتاع بها بشكل حسي ومباشر". ويضيف: "وأعتقد أنه قد يجعلنا أيضاً نتردد في اتخاذ قرارات مهمة، إذا ترددنا في تبني مواقف أخلاقية معينة خوفاً من النظرة التي سيتذكرنا بها الناس".
وتقول ويد-بينزوني إن الحقيقة هي أنك لا تستطيع التحكم في إرثك، "فالأشخاص الذين يرثونه هم من يملكون حق تفسيره وإعادة تشكيله"، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن التفكير في الإرث لا يلغي آثاره الإيجابية خلال حياة الإنسان، سواء عليه أو على من حوله.
بل إن ويد-بينزوني وزملاءها يقترحون أنه ينبغي التفكير في الإرث الذي نريد تركه في أقرب وقت ممكن، بل وحتى كتابة "ما نطمح أن نتركه كإرث" طوال حياتنا.
وتقول: "نجد بشكل منهجي أن الناس يكونون أكثر ميلاً للتصرف بطرق تفيد الأجيال القادمة عندما يفكرون في إرثهم".
والتفكير في بناء إرث طوال الحياة يتيح للناس اتخاذ قرارات تتماشى مع المعنى الذي يرغبون في تركه وراءهم، وهذا بدوره يشجع على تعزيز السلوكيات الإيجابية اجتماعياً، مثل النشاط البيئي أو التبرع بمزيد من الثروة للأعمال الخيرية أو الأبحاث الطبية.
أما رواد الأعمال، فقد يفكرون في بناء شركات تساهم بشكل إيجابي في المجتمع، مع التفكير بما يتجاوز الربح، بحسب ويد-بينزوني.
ويرى هؤلاء الباحثون أن الفائدة مزدوجة، فهي تمنح الإنسان شعوراً بالدافع والمعنى أثناء حياته، و"خلوداً رمزياً" بعد موته، عبر امتداد أثره إلى المستقبل حتى لو لم يكن موجوداً جسدياً.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



