ذكـرى مـعـجـزة حـيـاتـي/ مذكرات مهاجرة بقلم: مادلين بدوس- نورث يورك- كندا

ذكـرى مـعـجـزة حـيـاتـي/ مذكرات مهاجرة بقلم: مادلين بدوس- نورث يورك- كندا
ذكـرى مـعـجـزة حـيـاتـي/ مذكرات مهاجرة بقلم: مادلين بدوس- نورث يورك- كندا

اخبار العرب- كندا: 

الجو بدأ في التحسن تدريجياً والحمدلله... درجات الحرارة التي كانت دائماً تحت الصفر بدأت تعلو ولو أنها أقل لك كثيراً في الليل عن النهار كما وأن تقديم الساعه ساهم في إحساس الناس بالضوء والدفء عن قبل... نتمنى أن يستمر الحال على ذلك حتى الربيع وما بعده  إذ  أن البرد والثلوج والشتاء الكندي عموماً يبعث في النفس بالكآبة والخمول بينما التخلص من ثقل المعاطف والجاكيتات وبهجة الخروج الى الهواء الطلق والشمس يبعث في النفوس الارتياح والتفاؤل. الربيع رسمياً يبدأ في  21  مارس الحالي وهذا التاريخ يعتبر في كثير من البلدان "عيد الأم" لإقتران الأم بالأمل والفرح والسعادة فهي دينامو الحياة لزوجها وأولادها وقلب المنزل الذي يتحرك في كل الاتجاهات ويبذل نفسه عن الكل ويحيط البيت بالعناية والرعاية والحب والتضحية على الدوام.

أرجو أن يسامحنى قرائى الأعزاء إذ خصصت المقالة هذه المرة للحديث عن نفسي ولكن من سياق الكلام أرجو أن يشاركنى القراء كم هي مهمة عندي تذكر المعجزات الذي حدثت لي في الماضي بكل عذابه...  هذا الأسبوع  يكون عمري قد أمتد أربع سنوات لم يكن هناك أمل في يوم  واحد فيها... لقد كنت أحسب في عداد الأموات حتى أن الأطباء يئسوا مني وأرادوا لي الموت في سلام ولكن إيمان زوجي وحب أولادي لي جعلهم يقفون في وجه ذلك القرار المخيف... لقد أعطاني الله حياة جديدة وله في ذلك حكمة فلا مجال لليأس في حياتنا..

كنت وزوجي وسط مجموعة كبيرة في رحلة بحرية على ظهر باخرة ضخمة لمدة عشرة أيام بين جزر البحر الكاريبي... أمضينا نصفها في سلام رغم مظاهر الاحتياطات الغذائية وأعتراف الكابتن أن هناك كثيرون في الرحلة السابقة عزلوا  لإصابتهم بفايروس الانفلونزا أيامها وهم للأسف لم يهتموا  بتنظيف الباخرة وأهملوها  وفي اليوم السادس  أحسست بضعف مفاجئ وبصعوبة فى التنفس... أخذونى إلى المستشفى في الدور الاول ولكن الطبيب هناك أعتذر عن علاجي لقلة الإمكانيات والأجهزة وأستيعاب الباخرة لأنى كنت أعانى من فشل رئوى. أنزلونا مع أمتعتنا  حيث رقدت تسعة ايام في مستشفى حديثة في جزيرة نائية فى وسط البحر والتابعة لإنجلترا ولا نعرف فيها أحد. ثقبوا أنفى ليضعوا الأوكسجين الصناعي وجاء أولادي الثلاثة  وظلوا حولي وأنا لا ادري بهم ولا بما يحدث لي... شهر وأكثر في غيبوبة كانت نسبة شفائي واحد فى المليون كما أخبر الأطباء أولادي فيما بعد والكل كان يعدها عليّ أياماً. كانت المعجزة الكبرى هي بقائي على الحياة رغم يأس الأطباء وحتى رجوعي إلى تورونتو بعد محاولات عدة لإيجاد  طائرة طبية خاصة  تنقلنى بمواصفات خاصة. تعب  أولادي في حراستي ليلاً ونهاراً خوفاً من أن ينزعوا الخراطيم من ذراعي والأكسجين من أنفي كما اقترحوا سابقاً. توالت المعجزات بعد ذلك فقد وجدت إبنتي الصغرى  طريقة فريدة للمساهمة في جمع المبالغ الضخمة المطلوبة منا وإلاّ كان السرير الوحيد الذي حجزته لي في المستشفى وبعد كل يوم إتصالات بمستشفيات تورونتو كلها كان ضاع مني... ثم معجزة إنقاذى علي يد الأطباء الكنديين وحرصهم على حياتي لمدة  سبعة أسابيع في العناية المركزية وبعدها شهرين في مركز التأهيل... معجزة أخرى هي تقدمى الصحي وعودتي الى منزلي بعد غياب ثلاثة شهور محمولة على كرسي لعدم استطاعتى المشي لمدة سنة كاملة بعد ذلك ومازلت حتى الآن أحس بأنني غريبة على نفسي فقد كانت التجربة قاسية ومؤلمة ومفاجئة زلزلت كياني ولم أعد بكامل صحتي بعد ولكن ما مررت به أثبت لي إن الأعمار حقاً بيد الله وحده وأن الدنيا زهوي يمكن أن تنطفئ في لحظة ولا يبقى بعد إلاّ ذكريات الإنسان وإن الخير الذي تقدمه لأى أحد وبدون أن يطلب هو لباقي لك وسوف يرد لك في الوقت المناسب عندما تحتاجه كما حدث معي.

أعزائي القراء شكراً لتحملكم  ذكرياتى الأليمة هذه وأنا لم أنساكم  وكنت أكتب لكم من سرير المرض وأشكر لكم دعواتكم وصلاتكم من أجلي.

كلمة أخيرة مهمة...

رحلات البواخر هذه بقدر الإغراء  لتجربتها والتمتع  بما تقدمه على سطحها إلاّ إنني لا أشجع كل واحد على ذلك فهناك من يحتاجون العناية الصحية المركزة وهم يكونون الضحية فلا توجد على هذه السفن أي عناية صحية بالإضافة لمصروفاتها المبالغ فيها... الباخرة حيز محدود ولو حدث لك شئ أين تذهب؟ يا أعزائي أحسبوا المخاطر أولاً وأتمنى لكم جميعاً كل صحة وعافية والله يرعانا من هذا الوباء العالمي وينقذ كل الناس كما أنقذني برحمته والي اللقاء. ...

مادلين بدوي-نورث يورك-

 

التالى فانكـوفـر ـ كنــدا

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws