الغبقة
الدوحة - قنا
مع ليالي شهر رمضان المبارك، تستعيد المجالس والبيوت في قطر والخليج طقسا اجتماعيا قديما ما زال حاضرا في الذاكرة والواقع، هو "الغبقة"، تلك الوجبة الليلية التي تحولت عبر الزمن من مجرد مائدة طعام إلى مناسبة اجتماعية تعزز الألفة وتعيد إحياء روح الترابط بين الناس.
فالغبقة، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالشهر الفضيل، تعد من العادات الرمضانية التاريخية في دول الخليج، وقد حافظ المجتمع القطري على حضورها بوصفها تقليدا اجتماعيا متوارثا، يهدف في جوهره إلى توطيد العلاقات، وتبادل الود، وتعزيز التعارف بين الأهل والأصدقاء والجيران.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في التراث القطري خليفة المالكي، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن الغبقة تمثل إحدى العادات والتقاليد الراسخة في المجتمع، وهي عادة شعبية انتقلت من جيل إلى آخر، محتفظة بروحها الاجتماعية رغم ما شهدته من تطور في تفاصيلها.
ويشير المالكي إلى أن السمك كان المكون الأساسي في وجبة الغبقة قديما، إذ اعتاد الناس تناول اللحم في وجبة الإفطار، فيما جاءت الغبقة أخف نسبيا، معتمدة على خيرات البحر. ومع ذلك، ظلت الأكلات الشعبية تشكل جزءا لا يتجزأ من هذه المناسبة، حيث تضم الغبقة أصنافا متنوعة من الأطباق المحلية، من بينها الهريس، والثريد المعروف بخبز الرقاق المشبع بالمرق واللحم أو الدجاج، إلى جانب الحلويات الشعبية مثل البلاليط، واللقيمات، والساقو، فضلا عن العصائر الرمضانية التقليدية.
ومع تغير الأحوال الاجتماعية والثقافية، يوضح المالكي أن ثقافة الطعام شهدت بدورها تحولات واضحة، انعكست على مائدة الغبقة، التي باتت اليوم تضم مزيجا من الأسماك واللحوم والخضراوات، إضافة إلى أطباق جديدة دخلت على المائدة، إلى جانب تنوع أكبر في أصناف الحلويات، بما يواكب أنماط الحياة الحديثة دون أن يفقد الغبقة روحها الأصيلة.
ويرجع الباحث أهمية الغبقة إلى دورها في تحقيق التجمع وإشاعة روح المودة والترابط الاجتماعي، حيث تشكل مساحة لتبادل الحديث وتوثيق العلاقات. ورغم التطور الكبير الذي يشهده الواقع المعاصر، يؤكد المالكي أن كثيرا من القطريين ما زالوا يحرصون على إقامة الغبقات الرمضانية، باعتبارها تقليدا متوارثا أبا عن جد، وغالبا ما تقام في المجالس مع الالتزام بالأطعمة التقليدية، وسط تجمع الأهل والأصدقاء.
ويضيف أن من أبرز ما يميز شهر رمضان في قطر هو اجتماع العائلات في هذه الأيام المباركة، حيث يحرص المسافرون على العودة إلى الوطن للاستمتاع بالأجواء الرمضانية وطقوسها المتجذرة، وفي مقدمتها تبادل الزيارات العائلية، والتواصل مع الجيران والمعارف.
ولم تعد إقامة الغبقات، بحسب المالكي، مقتصرة على البيوت والمجالس الخاصة، بل امتدت أيضا إلى الفنادق والخيام الرمضانية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، في مشهد يعكس تداخل الموروث الشعبي مع أنماط الاحتفاء الحديثة بالشهر الفضيل.
ويختتم الباحث خليفة المالكي حديثه بالتأكيد على أن الإقبال على حضور الغبقة لا يزال كبيرا، لما تمثله من موروث شعبي يعيد إلى الأذهان جلسات الأجداد وما حملته من عادات وتقاليد عززت أواصر العلاقات الاجتماعية، لا سيما في رمضان. ويشير إلى أن بعض الأهالي يحرصون على تنظيم الغبقات بشكل دوري داخل الفريج الواحد، بحيث يتناوب السكان على استضافة الغبقة كل ليلة، حتى نهاية الشهر الفضيل، في صورة تجسد المعنى العميق للتكافل والتواصل الذي يميز شهر رمضان.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :