الدوحة - قنا
استعرضت الجلسة الأولى من النسخة الثانية عشر من البرنامج الرمضاني الحواري "وآمنهم من خوف" لعام 1447 هـ/ 2026 م، التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في رحاب جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، مفهوم وحدة الأمة في عالم متغير: قراءة في التحديات المعاصرة، وذلك بمشاركة نخبة من العلماء والمفكرين من داخل دولة قطر وخارجها.
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور بلال بارودي شيخ قراء طرابلس وأمين الفتوى بها، أن معنى الوحدة تفرد به الإسلام، ولم تجتمع على مر التاريخ أمة من الناس، حدها وضع جغرافي أو عرق دموي على شيء مثلما اجتمعت عليه الأمة الإسلامية، موضحاً أن كلمة "الأمة" مشتقة من "الأم" وأن العرب تقول أممت إليه أي قصدته، وهو أمر جامع يُقصد إليه، وأن أي مجموعة تجتمع على أمر تسمى "الأمة".
وأشار إلى أن الأمة الإسلامية وحدتها لا بلغتها ولا بجغرافيتها، ولكن بعبادتها ربها، كما جاء في قول الله عز وجل (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، مبيناً أن الأمة تجتمع على العبودية لربها، وأن الله سبحانه وتعالى ذكر الأمة بصيغ مختلفة ومتنوعة، لتؤدي دورها.
وأشار إلى أن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى تحقيق هدفه إلا بأن يكون عبداً لله خالصاً، وأن يكون مسلماً لله خالصاً، وأن يبتغي وجه الله، وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) فتحققت فيه الثلاثة شروط.
وبدوره، أكد الدكتور علي القرة داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن وسائل الإعلام التقليدية والرقمية تلعب دورًا محوريًا في صناعة الوعي الجمعي وتعزيز مفهوم وحدة الأمة، مشددًا على أهمية أن يكون هذا الدور بناءً وتكاملياً، وليس سبباً في الانقسام أو الاستقطاب.
وتناول القرة داغي خلال كلمته تفسيراً موجزاً للآية الكريمة "ولتستبين سبيل المجرمين"، مشيرًا إلى وجود قراءتين متواترتين لها: "ولتستبين سبيل المجرمين" و"وليستبين سبيل المجرمين"، مبيناً أن كلمة "سبيل" مؤنثة في لغة تميم ومذكرة في بعض لغات قريش، وهو ما يسمح بالوجهيْن.
وأوضح أن قراءة "لتستبين" تفيد طلب البيان وتحقيقه بصورة واضحة وجلية، مستشهداً برأي الإمام محمد بن إدريس الشافعي في الجمع بين المعنيين، حيث يكون واجب الأمة جمعاء، من خلال تفصيل الآيات والقرآن الكريم، إظهار سبيل المجرمين وكشفه، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية".
وأضاف أن القراءة الثانية موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعد خطابًا لأمته، وبخاصة للعلماء وأولي الأمر وأصحاب المسؤولية، ما يحملهم واجب البيان والتوضيح.
وعن مفهوم الوحدة، أوضح الدكتور القرة داغي أن الإسلام لا يقضي على التنوع أو نفي الاختلاف، بل يقوم على حركة جامعة تشمل عدة دوائر: الفرد، والقبيلة، والقومية، والدائرة والجامعة والقائمة على العقيدة، وأهل الكتاب، والدائرة الإنسانية العامة.
واستعرض الدكتور علي القرة داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أهمية الإعلام في الإسلام، معتبرًا إياه جهاداً كبيراً كما في قوله تعالى: "وجاهدهم به جهادًا كبيرًا"، مؤكداً أن هذه الآية المكية تعكس عظيم أثر الإعلام في التوجيه والتأثير على الوعي الجمعي وصيانة القيم.
إلى ذلك، أوضح الدكتور نور الدين الخادمي أكاديمي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، أن الأمة الإسلامية هي مراد الله سبحانه وتعالى مرادًا إلهيا بخلقها وبجعلها، وبما يتعلق بهذا المراد الخلقي والمراد الجعلي؛ لأن هذه الكلمة كلمة مركزية في عقيدتنا وشريعتنا، وهي الكلمة التي ستنهي كثيرًا من المشكلات الفكرية والعملية الضخمة التي أُصيبت بها الأمةُ بأحزابها وجماعاتها، بل وشعوبها.
وأوضح أن الأمة وهي تشكيل من تشكيلات العالم، وهي أمة خاتمة مكلفة بأن تُدير تشكيلها البشري إدارة راشدة في بعده الديموغرافي، والجغرافي، والسياسي، والثقافي، والمذهبي، والفكري، لأن هذا التشكيل في جانبه الديموغرافي والجغرافي والواقعي والتاريخي - هو وضع في غاية التعقيد والتركيب.
ولفت إلى أن الأمة اليوم تضم دولًا كثيرة، وكل دولة فيها تعدد عرقي، وإثني، وحزبي، وطائفي، ومذهبي، وفقهي، وثقافي، وفكري".
وأشار إلى أن الأمة الإسلامية تعيش وضعين هما وضع الثوابت، ووضع ما يمكن أن ما يتم تسميته استعمالًا جديدًا أو متجددًا أو مولّدًا، لا حرج فيه، في إطار العلاقة بين "المؤسِّسات" و"المؤسَّسات".
ومن جهته، أكد الشيخ الدكتور سالم الشيخي رئيس لجنة التدريب في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن العولمة، لاسيما في بعدها الثقافي، تمثل تحدياً عميقاً للهوية الإسلامية، محذراً من آثارها المتنامية على مفهوم الانتماء ووحدة الأمة.
وبين أن العولمة التي برزت بقوة مع مطلع التسعينيات عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، قامت على عدة أعمدة رئيسية، غير أن أخطرها كان "العولمة الثقافية".
وأوضح أن دولاً كبرى أبدت في وقت سابق تخوفها من هذا المسار، وطرحت مفهوم "الخصوصية الثقافية" كإطار لحماية هويتها من الذوبان، مستشهداً بقوله تعالى: "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"، مبيناً أن الآية تصف حالة من الانغلاق الفكري والنفسي، حيث يكتفي كل فريق برؤيته الخاصة، ما يؤدي إلى تفكك الجماعة وتآكل الروابط الجامعة بينها.
وبيّن أن من أبرز مرتكزات هذه الهوية: وحدة المرجعية، ووحدة الهدف، ووحدة المصير، ووحدة الرسالة، وهي عناصر تشكل الأساس الصلب لبقاء الأمة متماسكة في وجه التحولات الكبرى.
واستعرض الدكتور الشيخي أبرز الأزمات الناتجة عن هذا التغلغل الثقافي في عدة مظاهر، من بينها تنامي الهويات الجزئية على حساب الهوية الجامعة، بحيث أصبح الانتماء للجغرافيا أو اللغة أو العرق أكثر حضوراً في وعي المسلم من انتمائه لأمته الكبرى.
وشدد الدكتور الشيخي على ضرورة تحرير مفهوم الانتماء وإعادة ربط الهوية الإسلامية بمصادرها الأصيلة في كتاب الله وسنة رسوله ، باعتبار ذلك السبيل الأنجع لمواجهة تحديات العولمة والحفاظ على ثبات الهوية في زمن التحولات.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :