الدوحة - قنا
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تبدأ البيوت في ارتداء ملامح خاصة، لا تقتصر على التجهيزات المادية فحسب، بل تمتد إلى طقوس اجتماعية وثقافية تعكس عمق الارتباط بين الشهر الفضيل وهوية المجتمع وقيمه المتوارثة.
وظل استقبال رمضان عبر الأجيال، مناسبة جامعة تختلط فيها الفرحة بالاستعداد، وتلتقي فيها العادات اليومية بروحانية الشهر ومعانيه، ففي الماضي، كانت الاستعدادات للشهر الفضيل تبدأ مبكرا، حيث يحرص الناس على شراء وتخزين السلع والمواد التموينية التي يحتاجها الصائمون، في تقليد أصبح جزءا أصيلا من الذاكرة الشعبية، غير أن هذه الاستعدادات لم تكن مجرد تجهيز للمائدة فقط، بقدر ما كانت فعلا اجتماعيا يشارك فيه الجميع، يعكس روح التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.
وفي هذا السياق، أكد السيد عتيق السليطي، باحث في التراث، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن من أقدم مظاهر الاستعداد لاستقبال رمضان إقامة احتفالية شعبية كان يتم خلالها دق حب القمح في "المناحيز"، والمنحاز هو نوع من الهاون المصنوع من الخشب، له عمود يعرف بـ"يد المنحاز"، تعلوه قطعة حديدية تسمى "البرقع" لزيادة قوة الطرق، لافتا إلى أن صوت دق الحبوب كان يتردد في الفرجان كإشارة مبكرة بقرب حلول الشهر الفضيل.
وقال السليطي إن بعض أفراد المجتمع تخصصوا في دق حب الهريس بالمنحاز حتى أصبحت مهنة معروفة، بينما كان الجيران في أحيان كثيرة يتعاونون لإنجاز هذه المهمة، تمهيدا لإعداد أطعمة تقليدية ارتبطت برمضان، مثل الهريس وخبز الرقاق واللقيمات والجريش، لتتحول عملية التحضير نفسها إلى مناسبة اجتماعية تعزز أواصر القربى.
ومن بين المظاهر التي تسبق الشهر الكريم، تلك التي تجرى خلال شهر شعبان، بإعداد الأطباق الرمضانية مثل الهريس والثريد واللقيمات والخبيص والساقو، ويتم تبادلها بين الأهل والجيران، في مشهد يعكس روح المشاركة والود، ويهيئ النفوس لاستقبال أيام الصوم.
ولا يكتمل الحديث عن الاستعدادات القديمة دون التوقف عند عادة استطلاع الهلال، إذ كان عدد من الرجال يخرجون إلى البر لترقب هلال رمضان، فإذا ثبتت رؤيته، جرى إبلاغ الناس، لينتشر الخبر سريعا بين البيوت. ومع حلول المساء، كانت فرقة شعبية تجوب الأحياء بطبولها ودفوفها، مرددة أهزوجة ترحيبية بالشهر الفضيل، تملأ المكان بهجة وتوقظ في النفوس الشوق إلى أيام الصيام، مرددين:
يا مرحبا يا حي شهر الصوم
شهر به الطاعة مع الغفران
نرجي نصومه كل عام دوم
طاعة للرحمن
و يا صائم لك الأجر محتوم
وعقبه هلال العيد أبرك به من يوم
وفيه التهاني والفرح دوم
ومع دخول رمضان، تستمر معه بعض المظاهر الشعبية، بما يضفي نكهة خاصة على لياليه، ومن أبرزها "المسحر"، الذي يجوب الأحياء قبيل الفجر، لقرع الطبلة، مناديا بصوته المألوف: "لا إله إلا الله، محمد يا رسول الله، لا إله إلا الله، سحور يا عباد الله"، فيوقظ بذلك النائمين للسحور.
وفي ليالي الشهر الفضيل، كانت الأحياء والفرجان تضج بالحركة والنشاط، حيث يتبادل الجيران أطباق الطعام، ويمتلئ المكان بالأطفال وهم يمارسون ألعابهم الشعبية في الشوارع والأزقة، وسط أجواء من الألفة والفرح.
ومن بين المظاهر التي حافظت على حضورها حتى اليوم، مدفع رمضان، الذي ظل علامة مميزة تعلن موعد الإفطار، رابطا بين الماضي والحاضر.
وهكذا، تبقى طقوس استقبال شهر رمضان المبارك، بما تحمله من أهازيج وعادات ومظاهر اجتماعية، شاهدا حيا على ثراء الموروث الثقافي، وجسرا يصل الحاضر بالماضي، ويؤكد أن الشهر الفضيل كان ولا يزال مناسبة تتجدد فيها القيم، ويستحضر فيها الصائمون حكايات مظاهره الاجتماعية.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :