الهرم الغذائي الجديد
❖ هديل صابر
في خطوة وُصفت بأنها «إعادة ضبط تاريخية» للنظام الغذائي العالمي، كشفت وزارة الزراعة الأمريكية 16 يناير الجاري النقاب عن النموذج الغذائي الجديد الذي سيحلّ مكان الهرم الشهير، فاتحةً بابًا واسعًا للجدل حول ملامحه وأثره المتوقع على عادات الأكل حول العالم.
فبعد عقود من الاعتماد على الهرم القديم الذي رسّخ مفاهيم ثابتة حول حصص النشويات، وانعكست على الأنماط الغذائية السائدة، جاءت الإرشادات الجديدة لتُقلّص من مكانة النشويات وترفع من أهمية البروتينات الحيوانية والنباتية، في إطار مقاربة تركز على «الطعام النظيف» ومكوّناته الطبيعية، والحدّ من السكريات المضافة.
ورغم ذلك، لا يزال النموذج الجديد موضع جدل واسع لعدم مراعاته بعض الفئات الصحية التي لا يُسمح لها—على سبيل المثال لا الحصر—باستهلاك كميات كبيرة من البروتين، إضافة إلى محدودية الأبحاث الطويلة المدى حول فاعليته، فضلًا عن كونه لا يشكّل حلًا سحريًا لمعالجة السمنة من جذورها.
وفي هذا السياق، أكدت اختصاصيات تغذية علاجية لـ «الشرق» أن أي نموذج غذائي لا يراعي الاحتياجات الفردية سيُكتب له الفشل، مشيرات إلى أن الاعتدال هو الركيزة الأساسية. ودعت الاختصاصيات إلى وضع برامج غذائية مخصصة تراعي التاريخ المرضي لكل شخص، وفئته العمرية، وجنسه، ومستوى نشاطه البدني، مع ضرورة معالجة الأسباب غير المرئية، لبناء نمط غذائي صحي ومتوازن.
أوضحت موضي الهاجري، خبيرة التغذية العلاجية، إن الهرم الغذائي الحديث الذي أعلن عنه مؤخرا، ليس منظما ولا يراعي الفئات العمرية لاسيما في الدعوة إلى تناول الدهون الصحية دون تحديد الكمية لبعض الفئات ككبار اللسن والأطفال، مشيرة إلى أنَّ الهرم الغذائي القديم أيضا لا يتحمل مسؤولية تفشي السمنة-على سبيل المثال لا الحصر-، مشيرة إلى أن جوهر المشكلة ليس في التوصيات، وإنما في نمط الحياة الذي ابتعد عن التوازن، حتى أصبح المرض هو القاعدة لا الاستثناء.
وتابعت موضي الهاجري قائلة « إن ارتفاع الكوليسترول ونقص فيتامين (د) لم يعودا حالات متفرقة كما كان يُعتقد، بل ظاهرة باتت شائعة في مختلف دول العالم، وأرى أنَّ المشكلة لا تكمن في نقص التوصيات أو في تعدد النماذج الغذائية القديمة والحديثة، بل في غياب الالتزام الفعلي بأي نمط غذائي صحي.»
وأضافت موضي الهاجري أن البيئة الغذائية الحالية تعج بالأطعمة المصنعة والمعجنات والحلويات، إلى جانب وفرة غير مسبوقة في الخيارات غير الصحية، مقابل انخفاض واضح في مستويات النشاط البدني وانتشار العادات والسلوكيات الخاطئة، فضلًا عن الضغوط النفسية المتزايدة. وهذا المزيج، على حد قولها، يهيئ بيئة مثالية لانتشار الأمراض المزمنة في المجتمعات، ولن ينتهي باعتماد نمط غذائي جديد.
- الهرم القديم لا يراعي الفروق
قالت السيدة فدوى المديوني، اختصاصية تغذية علاجية، «إن الهرم الغذائي القديم كان من أكثر النماذج المثيرة للجدل لأنه اعتمد تصورًا موحدًا للتغذية لا يراعي الفروق الفردية أو الثقافية، كما وضع النشويات في قاعدة الهرم وشجّع على استهلاكها بكميات كبيرة دون تمييز بين الحبوب الكاملة والنشويات المكررة، وتبنّى توجهًا يقلل من أهمية الدهون الصحية، لافتة إلى أن هذا التبسيط، إلى جانب تأثير الصناعات الغذائية وقلة النشاط البدني، أسهم في انتشار أنماط غذائية غير متوازنة وزيادة استهلاك الأغذية المصنعة، ما أدى إلى ارتفاع غير مباشر في معدلات السمنة، ودفع لاحقًا إلى استبداله بنماذج أكثر مرونة تركز على جودة الغذاء وتنوعه».
وتابعت المديوني إنَّ هذا التبسيط في التوصيات الغذائية، إلى جانب التأثير القوي للصناعات الغذائية ونمط الحياة المعتمد على قلة النشاط البدني أسهم في انتشار أنماط غذائية غير متوازنة وزيادة استهلاك الأغذية المصنعة، مما انعكس بشكل غير مباشر على ارتفاع معدلات السمنة، وعلى الرغم من أن الهرم الغذائي لا يمكن اعتباره السبب الوحيد أو المباشر لهذه الظاهرة، إلا أنه مثّل أحد العوامل التي أسهمت في تكوين وعي غذائي غير دقيق، الأمر الذي دفع لاحقًا إلى إعادة النظر فيه واستبداله بنماذج غذائية أكثر مرونة وتوازنًا تأخذ في الاعتبار جودة الغذاء وتنوّعه وسياقه الثقافي. وأشارت المديوني إلا أنه وانطلاقًا من ذلك، تميل التوصيات الحديثة إلى الابتعاد عن نموذج غذائي واحد يُفترض صلاحيته للجميع، والاتجاه نحو أنماط غذائية مرنة تركّز على جودة الغذاء لا كميته فقط، مع التمييز الواضح بين مصادر النشويات، وإدراج الدهون الصحية كجزء أساسي من النظام الغذائي، ومراعاة الثقافة الغذائية المحلية.
- النموذج الحديث متوازن
أكدت غنوة الزبير، اختصاصية تغذية علاجية، أن النموذج الغذائي الحديث أكثر توازناً من الهرم الغذائي القديم الذي كان يعتمد على النشويات المكررة، كما أنه لعب دورًا في الترويج لاستهلاك الزيوت النباتية، إلا أن كثيرين باتوا يتجهون اليوم إلى الزيوت الحيوانية، بينما يبقى نقص الوعي الغذائي عاملًا حاسمًا في تفاقم المشكلات الصحية».
وقالت غنوة الزبير «إن الهرم الغذائي القديم ليس المتهم الرئيسي في تفاقم مشكلات السمنة، وإن كان في نسخته القديمة يمنح النشويات مساحة كبيرة تعكس ما نراه اليوم في الأنماط الغذائية السائدة، حيث إنَّ النظام الغذائي المتَّبع في دول الخليج يعتمد بدرجة كبيرة على النشويات والحبوب، ما يتقاطع مع تحديات نمط الحياة المتسارع وقلة الحركة والضغوط النفسية التي يعيشها الأفراد، فضلا عن أن غياب الروتين الغذائي الصحي، إلى جانب التركيبة الجينية والثقافة الغذائية السائدة، كلها عوامل ساهمت في زيادة الوزن وانتشار السمنة».
وأردفت غنوة الزبير قائلة «إن منتجات مثل المشروبات الغازية والشيبس، رغم أنها ليست جزءًا من أي هرم غذائي، إلا أنها ما تزال تُستهلك بكثرة، وهو ما يفاقم معدلات السمنة، خصوصا بين الأطفال، وطلبة المدارس في الدولة تواجه معدلات مقلقة من السمنة لدى الطلبة، لذا من الأهمية بمكان اقتراح خطوات عملية داخل المدارس قبل الدخول في جدل حول النماذج الغذائية».
- مطلوب التأني بشأن الهرم الجديد
ورأت كرستينا لطفي، اختصاصية تغذية علاجية، أن الهرم الغذائي الجديد يتجه نحو مقاربة مختلفة تقوم على مفهوم الطعام الحقيقي، أي التركيز على الأطعمة القريبة من شكلها الطبيعي وغير المعالجة، مقابل الحدّ من استهلاك الأطعمة الجاهزة والمعبأة، والوجبات المالحة أو الحلوة المصنعة، والمشروبات المحلاة بالسكر مثل المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة.
وبحسب كرستينا لطفي، فقد أعادت الإرشادات الجديدة ترتيب الأساسيات الغذائية، إذ لم تعد النشويات في صدارة الهرم، بل بات التركيز الأكبر على البروتين، خصوصا البروتينات الحيوانية مثل اللحوم، والدواجن، والبيض، والمأكولات البحرية، إلى جانب منتجات الألبان كاملة الدسم، فضلًا عن البروتينات النباتية كالبقوليات، كما شددت هذه الإرشادات على تقليل السكر المضاف، نظرا لانتشاره في منتجات عالية السعرات الحرارية وفقيرة بالقيمة الغذائية، وهو ما يجعل استهلاكه غير موصى به، لا سيما لدى الأطفال، مع التأكيد على ضرورة تجنبه تمامًا للأطفال دون سن أربع سنوات.
هذا وقد حذرت كرستينا لطفي من التسرع في اعتماد الهرم الغذائي الجديد كنموذج مثالي أو حل مطلق، في ظل محدودية الأبحاث طويلة المدى حوله، مؤكدة أن بعض الفئات الصحية لا يمكنها تناول كميات مرتفعة من البروتين، وتخلص إلى أن التغذية السليمة يجب أن تُبنى على الحالة الصحية للفرد، وفئته العمرية، ومستوى الجهد البدني، والنوع الاجتماعي، بوصفها عوامل أساسية تسهم في صياغة نظام غذائي ملائم لكل شخص على حدة.
- لا يوجد نمط غذائي يصلح للجميع
أكدت السيدة روى رفاعي، اختصاصية تغذية علاجية، أنه لا يوجد نمط غذائي واحد يصلح للجميع، مرجحة النمط الغذائي المرن والواقعي، القائم على العلم، والذي يعتمد على التوازن بين البروتينات والدهون الصحية بكميات معتدلة، فيما تُقدَّم النشويات المعقدة بوعي وفق مستوى النشاط والحالة الصحية، كما أن توقيت الوجبات عنصر مهم في تنظيم سكر الدم، إلى جانب ضرورة الحركة اليومية، واحترام العلاقة الصحية بين الإنسان والطعام بعيدًا عن التركيز على السعرات الحرارية فقط.
وفي ما يتعلق بالتحديثات التي طرأت على الهرم الغذائي، أوضحت رفاعي أن النسخة الحديثة ركزت على مفهوم الطبق المتوازن، مع تعزيز دور البروتين والدهون الصحية والاهتمام بجودة الطعام، إلا أن هذه الإرشادات —برأيها— ما تزال عامة جدًا، ولا تصلح أن تكون علاجًا فعّالًا للسمنة أو الأمراض المزمنة من دون تخصيص مناسب.
وأكدت أن الهرم الغذائي القديم لا يتحمّل وحده مسؤولية انتشار السمنة، رغم تركيزه الكبير على النشويات دون توضيح الفارق بين النشويات المعقدة وتلك المكررة، أو الاهتمام الكافي بجودة الطعام، مؤكدة أن تطبيق أي نموذج غذائي يستلزم تعديله بما يتناسب مع احتياج كل فرد.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :